أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
ملخص:
قبل أيام قام الجندي في القوات الجوية الأمريكية آرون بوشنيل، بإحراق نفسه احتجاجا على الحرب «الإسرائيلية» في غزة، هذه الحادثة كانت ذروة تنامي الموقف الشعبي الأمريكي الرافض للحرب «الإسرائيلية»، وهو يُعبر عن التغيرات في الرأي العام الأمريكي، وخصوصاً في وسط شريحة الشباب، فالجيل الجديد نشأ على صور المأساة الفلسطينية والحصار وجدار الفصل العنصري، وهو جيل متخفف من ضغط روايات المحرقة، وجيل علماني لا يرى في فلسطين أرضا مقدسة وعد الله بها اليهود، وهذا الجيل متحرر من تأثير الاستقطابات الأيديولوجية التي حكمت فترة الحرب الباردة.
أجري أكثر من استطلاع منذ أكتوبر 2023 وحتى فبراير 2024، ورغم اختلاف الأرقام إلا أن الثابت الوحيد هو غلبة الرأي العام المساند للقضية الفلسطينية.
في الاستطلاعات الأمريكية التي جرت في الوسط الشبابي كان المتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من المتعاطفين مع «الإسرائيليين»، 28٪ أعربوا عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقابل 20٪ لـ«الإسرائيليين».
وذهب نصف الشباب الأمريكيين في استطلاع آخر إلى الدعوة لإزالة «إسرائيل» وتسليم الأرض للفلسطينيين.
وفي آخر استطلاع على عينة أمريكية مختلفة الأعمار، في مسألة اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية، كان عدد المؤيدين (43٪) أكبر من المعارضين (29٪) فيما 28٪ لا رأي لهم.
يلعب صعود اليسار السياسي في الولايات المتحدة، وكذلك نشاط السود والملونين دوراً في دعم القضية الفلسطينية، كما أن الصدام ما بين الجيل الشاب الطامح للتغير وبين كبار الرأسماليين من ملاك البنوك اليهود الذين يقفون ضد التغيير السياسي ويدعمون الكيان الصهيوني، يلعب دوراً في دعم أصحاب هذا التوجه للقضية الفلسطينية، وفي ظل تحسن حضور القضية الفلسطينية في الرأي العام الأمريكي، فإن من يتزعم التظاهرات التضامنية هي منظمات طلابية ويسارية وفلسطينية وإسلامية ويهودية معادية للصهيونية ومنظمات أنصار السلام.
هذه التغيرات هامة وسوف تلعب دوراً ضاغطاً على السياسة الأمريكية، ولو كانت بشكل بسيط، كما أنها تناهض الخطاب اليهودي والحديث عن المحرقة وعن الحق المقدس في الأرض الفلسطينية وبالتالي تطعن في قلب الخطاب اليهودي الصهيوني، ومثل هذا الدعم لم تحظ به القضية الفلسطينية طوال تاريخها، والأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة بل إن هناك موجة تضامن في دول الغرب عموماً.. وفي ما يلي التقرير كاملاً:
إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، كان الاستقطاب الأيديولوجي هو السائد في المجتمع الأمريكي، من بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وتفرد الهيمنة الأمريكية عالمياً ودخول مرحلة العولمة انفتح المجتمع الأمريكي على الثقافة العالمية واطلع على مصادر أخرى للخبر وسمع آراء مختلفة، بخلاف فترة الحرب الباردة عندما كان مقيداً بما يأتي من الدعاية الأمريكية، فالعولمة كان لها طابع مزدوج، كان هناك دخول للثقافة الغربية إلى المجتمعات في الشرق ووصول المعلومة من الغرب إلى الشرق، في نفس الوقت كان هناك عولمة معاكسة بانفتاح المجتمعات الغربية على ما يجري في الشرق، وفي ظل هذه العولمة المزدوجة أصبح الشاب الأمريكي قادراً إلى حد ما على تكوين موقف ورأي خاص به بعيداً عن الصورة والخبر الرسمي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة. ولتطبيق «تيكتوك» الصيني، الذي لا يحذف المحتوى المتعاطف مع الفلسطينيين، شعبية واسعة في أمريكا، وبالعموم فإن جيل الشباب يميل إلى أخذ الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي فيما الجيل الأكبر سناً يتلقى الأخبار من التلفزيون، والإعلام الأمريكي بالعموم خاضع للصهاينة.

اليسار الأمريكي في مواجهة اللوبي اليهودي
مع الأزمة الاقتصادية في أمريكا يتجه المجتمع -نسبياً- نحو اليسار إلى حد ما، خصوصا حركة «احتلوا وول ستريت»(1)، هذه الحركة في حالة صدام مباشر مع اللوبي الصهيوني والرأسماليين اليهود الذين يملكون غالبية المصارف، والذين يقفون ضد التغيير في الولايات المتحدة. وهكذا يؤدي الاستقطاب السياسي الداخلي في الولايات المتحدة إلى دعم أنصار التغيير للفلسطينيين في مواجهة الهيمنة اليهودية داخل أمريكا ذاتها.
«يقول بعض الناشطين اليساريين الشباب -بما في ذلك العديد من اليهود- إنهم أصبحوا يشعرون بالإحباط بشكل متزايد بسبب دور اللوبي المؤيد لإسرائيل في السياسة الأمريكية، وتحديداً الأموال التي أنفقتها على مهاجمة المرشحين التقدميين. يقول بيرغر إن إنفاق لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) لدعم السياسيين المؤيدين لإسرائيل ألهم المزيد من التضامن اليساري الشاب مع القضية الفلسطينية».
ويضيفون: «إذا كان الأشخاص الذين لديهم قدر لا يصدق من السلطة والمال يسحقون أي شخص يشكك في هذا الأمر، فسيصبح هذا شيئاً يجب التركيز عليه».

جيل الانتفاضة
آل دوف واكسمان، مدير جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس ومركز ثريا نازاريان للدراسات العبرية، يرى أن كل فئة عمرية لديها ذاكرة أجيال مختلفة عن «إسرائيل».. كان عنف الانتفاضة الثانية قد انتهى في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع بناء الجدران والحواجز المعززة بين «إسرائيل» والضفة الغربية، ثم غزة. وقد كوّن هذا الجيل فكرته عن «إسرائيل» من تقارير عن حرمان الفلسطينيين من الحصول على المياه، وحرية الحركة، والمحاكمات العادلة.
إيتان هيرش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تافتس، يرى أن الصراع بين «إسرائيل» والفلسطينيين يبدو أنه ينظر إليه من قبل الشباب اليساري، وخاصة في حرم الجامعات، على أنه «شعب ملون -أي الفلسطينيين- ينتفض ضد مضطهد أبيض».
النشاط السياسي للأمريكيين من أصول إفريقية يلعب دوراً أيضاً إذ يرى السود والملونون في أمريكا أن المعاملة العنصرية التي يعانون منها في أمريكا مشابهة للمعاملة العنصرية التي يعاني منها الفلسطينيون من قبل «إسرائيل».

جيل علماني لا يعترف بحق مقدس لـ«إسرائيل»!
ويذهب بعض الباحثين الأمريكيين، إلى تفسير غلبة تأييد الشباب الأمريكي لفلسطين من منطلق ديني، بينما الجيل الجديد أكثر علمانية من الجيل القديم المحافظ دينياً فهو أقرب إلى التوجه اليساري من التوجه اليميني المتطرف، «ففكرة إسرائيل كأرض مقدسة لليهود والمسيحيين صداها العاطفي غير موجود ببساطة بالنسبة للعدد المتزايد من الشباب الأمريكيين العلمانيين».
في آخر استبيان للمجتمع الأمريكي (22 فبراير 2024) قام به مركز عبري باستطلاع آراء 875 شخصاً، تم اختيارهم عشوائياً ومتوازنين من حيث الجنس والعمر والإقامة الجغرافية، أظهرت النتائج تقدما في الموقف الشعبي الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، وفي مسألة اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية، كانت نسبة المؤيدين 43% مقابل 29٪ للمعارضين، فيما 28٪ لا رأي لهم.
ما بين 15٪ إلى 35٪ يعبرون باستمرار ووضوح عن مواقف مؤيدة للفلسطينيين (أو معادية لـ«إسرائيل»)، وتختلف الآراء وفقاً للموضوع.
وأيد 40٪ الهجوم على رفح مقابل معارضة 31٪ له، تدني نسبة دعم العمليات العسكرية «الإسرائيلية» داخل الولايات المتحدة إلى 40٪ يعتبر متغيرا إيجابيا إذا ما علمنا أن الرأي العام الأمريكي كان على الدوام واقفا مع سياسات الولايات المتحدة بما يتعلق بالكيان الصهيوني خصوصاً، وبفعل اللوبيهات الصهيونية وحملات الدعاية والتضليل، وعادة كانت الأطراف التي ترفض السياسة العدوانية «الإسرائيلية» محصورة على القوى الاشتراكية في أمريكا وهي بسيطة جداً ولا تكاد تذكر، فيما الموقف اليوم من «إسرائيل» أوسع وتجاوز الأيديولوجية.

استطلاع في الوسط الشبابي
في استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة «يوجوف» في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وجد أن عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من المتعاطفين مع «الإسرائيليين» في الصراع الحالي، وهي الفئة العمرية الوحيدة التي تتبنى هذا الرأي، 28٪ أعربوا عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقابل 20٪ لـ«الإسرائيليين».
وأشار توماس زيتزوف، الأستاذ المشارك في الشؤون العامة بالجامعة الأمريكية، إلى عامل آخر: وهو التصور المتغير لقوة «إسرائيل» في الشرق الأوسط. «لقد شاهدت الأجيال الأكبر سنا «إسرائيل» وهي تقاتل من أجل الاستقلال ثم تقاتل مصر وسوريا ودولا أخرى في حربي 1967 و1973».. وقال كيرتزر: «هذه صراعات يُنظر فيها إلى إسرائيل على أنها مستضعفة، ومحاطة بدول معادية تحاول القضاء عليها، وهذا يختلف تماماً عن الأجيال الشابة التي ترى أن إسرائيل كانت دائماً قوة نووية، وأن إسرائيل كانت دائماً أقوى من خصومها».
في استطلاع أجرته جامعة هارفارد/ هاريس في 14 ديسمبر 2023، يعتقد أكثر من نصف الشباب الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع حول الصراع «الإسرائيلي» مع حماس أن الدولة اليهودية يجب أن تتوقف عن الوجود، وأن يتم استبدالها بكيان فلسطيني.
ووفقاً للاستطلاع، فإن 51٪ من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً يعتقدون أن حماس كان لها ما يبرر هجماتها على «الإسرائيليين» في 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

المنظمات الداعمة لفلسطين
المنظمون الأساسيون للمسيرات الداعمة لفلسطين، خليط من المنظمات الطلابية والحركات اليسارية وأنصار السلام، وكذلك المنظمات الفلسطينية ذاتها داخل الولايات المتحدة، ومنظمة إسلامية، ومنظمة يهودية معادية للصهيونية، وأبرز هذه الحركات هي:
- طلاب من أجل العدالة في فلسطين (SJP).
- حركة الشباب الفلسطيني (PYM)، تميل إلى خطاب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
- شبكة المجتمع الفلسطيني الأمريكية (USPCN).
- في حياتنا -متحدون من أجل فلسطين (WOL).
- الصوت اليهودي من أجل السلام (JVP).
- إن لم يكن الآن (INN)، منظمة يهودية مناهضة للصهيونية.
- حزب الاشتراكية والتحرير (PSL).
- المسلمون الأمريكيون من أجل فلسطين (AMP)


هوامش:
(1) «احتلوا وول ستريت» هي حركة احتجاجات دعت إلى احتلال وول ستريت في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 2011م، وكانت تنذر بثورة شعبية في أمريكا بالتزامن مع الاحتجاجات في العالم العربي، وقد تمت السيطرة عليها كتجمع، إلا أنها مستمرة كتوجه سياسي.

أترك تعليقاً

التعليقات