الفقر والتخلف والحروب في ظل الهيمنة الإمبريالية!
- أنس القاضي الأثنين , 13 أبـريـل , 2026 الساعة 12:17:04 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
بعد تفكك المعسكر الاشتراكي العالمي في أعوام 1989-1991م، وتحول كل دول العالم تقريبا إلى نظام السوق والرأسمالية (باستثناء كوريا الشمالية وكوبا)، برزت أطروحات ليبرالية احتفائية مثل «نهاية التاريخ»، وترافقت مع صعود غير مسبوق لهيمنة المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) المتحكمة في السياسات الاقتصادية لمعظم دول العالم، (خصوصاً تلك التي خرجت من معسكر اشتراكي أو كانت جزءا من المستعمرات القديمة) وكان وعد هذه المؤسسات والأطروحات أن الفقر سينتهي بحلول عام 2015م، وأن الديمقراطية ستعم العالم، وأن المجتمعات التي كانت اشتراكية أو قومية أو “منغلقة ثقافيا” ستدخل في حالة من الاستقرار والنمو، لكننا اليوم في عام 2026م، وهذه الوعود لم تتحقق.
ما أغفلته تلك الفرضيات هو حقيقة بنيوية، أن الفقر والتخلف ليسا بقايا من الماضي أو نتاج خيارات محلية خاطئة، بل هما نتاج مباشر لآليات التوسع الرأسمالي العالمي، فالفقر نتاج عضوي لعملية إعادة الإنتاج الرأسمالي على المستوى العالمي، فعندما تغلغلت الرأسمالية في دول الجنوب والأطراف، لم تنقل إليها «التنمية»، بل أعادت هيكلة اقتصاداتها وفق احتياجات المراكز الصناعية الغربية ولتقسيم العالمي للعمل، دولة تنتج النفط الخام، وأخرى منتجاً زراعياً وحيداً، وثالثة معدنا استراتيجيا، بينما تتحول كل هذه الدول إلى أسواق مستهلكة للسلع المصنعة من الخارج، وكانت هذه الهيكلة شرطا لاستمرار التراكم في المراكز.
هذا الاستقطاب العالمي بين مركز غني وأطراف فقيرة يقابله استقطاب داخلي في كل دولة من دول الأطراف، فمن جهة تنشأ نخبة اقتصادية محلية ترتبط مصالحها عضويا بالمراكز الغربية، وتستفيد من سياسات التحرير والخصخصة والاندماج المشروط في السوق العالمية، ومن الريع والضرائب والرسوم الراسمالية التي تثقل المواطن، ومن اقتصاد الحرب في بعض البلدان التي تفجرت فيها الحروب.
ومن جهة أخرى تتشكل طبقات شعبية واسعة تعاني من تفكك شبكات الرعاية الاجتماعية التي كانت توفرها الدولة، ومن اقتصاد غير رسمي متضخم، ومن هشاشة العمل والدخل، وهذه النخبة المحلية هي التي ترعى استمرار التبعية وتؤبّدها، ليس تحت ضغط خارجي فقط، بل لأن مصالحها المباشرة تتوقف على بقاء هذا النموذج، هذه النخبة التابعة تبعيتها للمركز الرأسمالي لا يجعل منها ضحية تستحق الغفران فهي واعية لما تقوم به ولا بد من بديل وطني يطيح بها ضمن معركة صون السيادة الوطنية أي ضمن مواجهة المعسكر الغربي ذاته سياسيا واقتصاديا ومعرفيا، وعسكريا في البلدان المعتدى عليها او المحتلة أراضيها.
هذا الاستقطاب المزدوج (عالميا ومحليا) ينتج واقعا سياسيا واجتماعيا معقدا، فهو يُضعف المؤسسات الوطنية، ويُشيع الجهل والتخلف العلمي والثقافي، ويعزز العصبيات والهويات التقليدية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وفي هذه البيئة تتفاقم الصراعات السياسية والعسكرية، وتنتشر الحروب الأهلية، وتصبح الدول عرضة للتدخلات الاستعمارية المباشرة، خاصة عندما تحاول بعض القوى الوطنية أن تنحو نحو استقلالية اقتصادية أو تفرض علاقات تبادل أكثر توازنا مع العالم، فيما تواصل المؤسسات المالية الدولية ومنظمة التجارة العالمية فرض الشروط ذاتها التي تقدمها كحلول اقتصادية، لكنها في الحقيقة تعيد إنتاج الاستقطاب الذي يولد التخلف.
ما يجعل الصورة أكثر تعقيدا أن تجارب دول الأطراف لم تكن متطابقة، ففي شرق آسيا مثلا استطاعت دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة تحقيق معدلات تنموية مرتفعة ضمن إطار رأسمالي، لكن بفضل تدخل دولة قوي وحماية صناعية في مراحل مبكرة، ثم انفتاح مشروط، والصين وفيتنام قدّمتا نموذجا مختلفا: اندماج رأسمالي واسع مع بقاء الدولة مسيطرة على القطاعات الاستراتيجية، مما أنتج تحولا اقتصاديا هائلا مع استمرار تفاوتات داخلية، وهذه الاستثناءات لا تنقض تحليل التبعية، لكنها تشير إلى أن نتيجة الاندماج في الرأسمالية العالمية ليست حتمية واحدة، بل تتوقف على قوة التحالفات الاجتماعية الوطنية التي توجه المؤسسات الوطنية، ودرجة الاستقلالية النسبية للدولة، وطبيعة العلاقة التي تُبنى مع رأس المال العالمي.
أما في سياقات أخرى، خاصة في إفريقيا و«الشرق الأوسط» وأجزاء من أمريكا اللاتينية، فقد أدت برامج التكيف الهيكلي التي فرضتها مؤسسات بريتون وودز إلى تدمير القدرات المحلية، وخصخصة الثروات العامة بأسعار زهيدة، وخلق اقتصادات ريعية هشة، وحين فشلت هذه السياسات لم تتراجع المؤسسات الدولية عن منطقها، بل أعادت صياغته بلغة «الحوكمة» و«الشفافية» و»بناء المؤسسات»، وكأن المشكلة كانت تقنية وليست بنيوية.
من هنا يمكن فهم أن الظواهر التي كثيرا ما تُقرأ على أنها «صدام حضارات» أو «تطرف ثقافي» أو «فشل ديمقراطي» هي في الحقيقة نتاج لهذا الاستقطاب، فالحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والحركات الإرهابية والفاشية، والثورات الفاشلة، كلها تنشأ في بيئات مزقتها سياسات التبعية، حيث تتنافس النخب المحلية على موارد الريع بدعم خارجي، وتُترك المجتمعات دون دولة قادرة على تقديم الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية أو الحماية، وهذا لا يعني أن العوامل الثقافية أو التاريخية غير موجودة، لكنها تعمل داخل هذه البنية الاقتصادية -السياسية وليس خارجها.
أظهرت تجارب القرن العشرين أن محاولات الفكاك الكامل من السوق العالمية غالباً ما أدت إلى أزمات اقتصادية واستبداد سياسي، كما أن النماذج الاشتراكية الكلاسيكية لم تصمد أمام الضغوط الخارجية وتناقضاتها الداخلية، لكن في المقابل فإن الاستمرار في السياسات نفسها التي أنتجت التخلف لا يمكن أن يكون حلاً، والمطلوب اليوم التوجه نحو مشروع تنموي بديل يقوم على: استعادة دور الدولة في التخطيط الاستراتيجي والرعاية الاجتماعية، بناء تحالفات بين الطبقات الشعبية ونخب وطنية مستقلة -لا معادية لكل ما هو اجنبي أو غربي- تبني سياسات حماية مرنة تسمح ببناء قدرات محلية دون انغلاق مطلق، ربط التنمية الاقتصادية بعدالة اجتماعية وانتقال بيئي عادل، والعمل على تكامل إقليمي في الجنوب العالمي يخلق فضاءات اقتصادية بديلة تقلل من التبعية التقليدية.
هذا المشروع هو إعادة توزيع للسلطة على المستويين المحلي والدولي، فالفقر والتخلف ليسا قدرا طبيعيا لشعوب الأطراف، وليسا نتاج ثقافات متخلفة أو ديانات غير متسامحة، كما تروي الخطابات الاستعمارية الجديدة.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي