أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
الوطن الحر يتألف من مواطنين أحرار، تتحدد توجهاتهم الفكرية والثقافية والسياسية على قاعدة توفر الإرادة وحرية الاختيار، وهي قاعدة العدل الإلهية التي يرتبط بها الإيمان بالله وجزاء الأفعال البشرية في الدنيا والآخرة، فمن ينجر دون اقتناع مع توجهات سلطة معينة فهو لا ريب خاضع لتوجهات سلطة سابقة وسيخضع لتوجهات أي سلطة تالية لها، فيما المواطن الحر الواعي يرفض القسر في كل حال، وينتمي لما هو صائب، ولو كان وحيداً، ويدفع ثمن خياراته ولا يتزعزع ولو جلد وجاع وشرد.
لا أعني بالسلطة مؤسسة حكومية وجهة رسمية بالضرورة، فأي قوة قسر وضغط توجه خيارات الإنسان، مادية أم معنوية، قانونية أم عرفية، سياسية أم أيديولوجية، حكومية أم شعبية، فردية أم جمعية، توجه عام أم توجه خاص، أياً كان نوع القسر من حيث القوة ونوعه بحسب المضمون، سواء كان لهدف نبيل وبمضمون إيجابي أم لهدف غير نبيل وبمضمون سلبي، فإن الإنسان المقهور سوف يخضع له ويتبناه خوفا وطمعا (نفاقا أو انتهازية)، وفي هذه الحال لا تكون السلطة المعينة قد انتصرت، بل على العكس تكون قد أعلنت هزيمتها، إذ بالقسر فرضت توجهاتها لا بالإقناع. وقاعدة البرهنة يؤكد عليها القرآن الكريم: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».
مؤخراً حدث عدة ممارسات في صنعاء ومحافظات أخرى ذات طابع متطرف قريب من ممارسات حركة طالبان في أفغانستان، كحرق أشرطة «البالطوهات»، ومنع دمى الملابس، ومنع الأغاني في الأعراس وقاعات الأفراح نهائياً في مكان وبشروط مشددة في مكان آخر، ومنع الاختلاط في حفلات التخرج الجامعية، ومنع عمل النساء في المطاعم، وسحب صور الملابس الداخلية، ومحو صور محلات المكياج... وغيرها من الممارسات التي قدمت باعتبارها فرضاً للثقافة القرآنية وباعتبارها إنفاذاً من أنصار الله لمشروعهم الثقافي، وهي ممارسات لم تستمر لأكثر من يوم أو أيام وعادت الأوضاع لسابقها في كثير منها، وعندما طبقت جرى تطبيقها بشكل انتقائي في منطقة دون أخرى بما يعكس حقيقة كونها فردية عفوية لا توجهاً عاماً.

إشكالية المفهوم
التناقض بين النظرية والتطبيق، وإنزال المفهوم النظري إلى الواقع المادي، هذه الإشكالية رافقت كثيراً من الثورات الإنسانية في مختلف المجتمعات، فغالبا ما كانت تبرز انحرافات عن النظرية حال تطبيقها، وما يجري في بلادنا لا يختلف عن هذه القانونية العامة في المجتمع الإنساني.
في بلادنا تقدم الممارسات الانفعالية العفوية الفردية المتطرفة، باعتبارها ترسيخا للهوية الإيمانية أو محاربة للحرب الناعمة، وهي كممارسات (تطبيق) بعيدة كل البعد عن المفهوم الذي قدمه قائد الثورة في خطاباته عن «الحرب الناعمة» و«الهوية الإيمانية» بأبعادها الكبرى (المفهوم)، فالممارسات اختزلت «الهوية الإيمانية» و»الحرب الناعمة» في جانب واحد، هو الجانب الأخلاقي، الذي يعد جزءاً من القضايا التي تنطوي عليها مفاهيم «الهوية الإيمانية» و»الحرب الناعمة»، ففهمهم كان قاصراً، وما افترضوا أنه معالجة للمشكلة -الموجودة فعلا- كان قاصراً أيضاً.

سمو رؤية القائد
«الهوية الإيمانية» و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» مفاهيم يقدمها قائد الثورة بأفق كبير ويربطها بالتزامات ومسؤوليات سامية متعلقة بالجهاد والتحرير والإنتاج والإبداع والتطوير، وأيضا بالسمو الأخلاقي وزكاء النفوس، الذي من دونه لا يمكن القيام بهذه الالتزامات، وفي مقدمتها إقامة القسط والعدل.
المفهوم الذي يقدمه سيد الثورة حضاري شامل، فيما هناك من يفهمه بقصور، فهو فهم قاصر إن كان عفوياً، وعمل تخريبي إن كان بقصد التخريب في الجبهة الداخلية، وضرب المفاهيم القرآنية استباقا بممارسات قمعية حتى لا تقدم بشكلها الجذاب وبشموليتها.
وفي جانب «الحرب الناعمة»، وهو المفهوم الذي ابتكره الغرب عندما نظروا لهذا النوع من الحروب قدموه كما هو في حقيقته منظومة شاملة من التخريب في أشكال الوعي والتفكير في الثقافة والفكر والفنون والسياسة والأخلاق، وهكذا تحدث عنه قائد الثورة بشمولية تهديده، والقائد ليس مجرد منظر وما تأتيه من معلومات عن خطر «الحرب الناعمة» متعددة في مجالات كثيرة وبهذا الشكل ينظر إليها وإن كان يشدد على الجانب الأخلاقي فهو لأهميته ولخطر الاستهداف في هذا الجانب، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية بقية الجوانب أو إنكارها.

«الحرب الناعمة» والعدوان الراهن
«الحرب الناعمة» كأحد مجالات حروب الجيل الخامس تمارس ضد بلادنا في العدوان الراهن لا شك في ذلك، والدلائل كثيرة ضمن مجالات الاستهداف الواسعة من تحريف مفاهيم وتنميط صورة وتفسير كاذب وتضليل وإشاعة وترويج مخدرات وشبكات دعارة... حرب تخاض عبر القلم والفيديو والصورة والرسالة والمحاضرة واللوحة والكتاب والندوة والماخور وبيت الدعارة والطابور الخامس... تمارس ضد بلادنا كل هذه العمليات العدوانية التي تؤثر بالقوة الناعمة التدريجية والتي تهدف إلى إسقاط المجتمع وضرب الجبهة الداخلية ولا ينكر هذا إلا جاهل أو متعصب.

لنحمي وعي الشعب وأخلاق المجتمع
مسألة السمو والتطور الأخلاقي وزكاء نفوس أفراد المجتمع مهمة ومسألة يرتبط بها النصر وبناء المستقبل، فنقد الممارسات التخريبية وتحريف المفاهيم لا يعني نكران وجود حرب ناعمة ولا نصرة للانحطاط النفسي والخلقي.
المحافظة على التركيبة النفسية والروحية لمجتمعنا اليمني من استهداف العدو، تعد واجبا دستوريا مقرا في دستور الجمهورية اليمنية، وتعد قضية حماية الهوية الروحية والثقافية والقيم الأخلاقية للشعوب مسألة أمن قومي أقرتها دول في استراتيجية أمنها القومي.

تصنيف الممارسات مدخل المعالجة الناجعة
ليس كل فعل غير سامٍ «حرب ناعمة».. التعامل وفق قاعدة أن كل صورة ومجسم وأغنية وكل اختلاط «حرب ناعمة» ومؤامرة. هذا التفكير مأزوم ومناف للواقع، وبناء قرارات عليه وممارسات عمل تخريبي يهدد وحدة الجبهة الداخلية في وضعنا الراهن وآثاره السلبية أكثر من فوائده، «وفي السياسة لا فرق بين الخيانة عن قصد وبين الخيانة بسبب الغباء»، فنتيجتها واحدة كما قال قائد ثوري.
معالجة الإشكاليات ذات البعد الأخلاقي أمر حساس يتطلب الدقة والتخطيط لا الارتجال والحماسة، فهناك أصناف متعددة لهذه القضية بناء على كل صنف تكون المعالجة، والخلط بينهما خطر.
ـ هناك فساد أخلاقي يبرز كممارسة فردية وجريمة جنائية. هذا الصنف يتطلب معالجته كقضية جنائية موجهة لشخص الجاني من قبل النيابة أو الضحايا والمتضررين.
ـ هناك فساد أخلاقي كظاهرة اجتماعية. هذا الصنف يتطلب معالجته عبر التوعية والتثقيف لا الممارسات الأمنية، فهذا الصنف الذي هو إشكال في الوعي يتطلب معالجته بالوعي، تنافس ثقافة مع ثقافة وفن مع فن، حتى ينتصر السامي على المنحط والجيد على الرديء. أما معالجة الوعي بالقسر والقمع تنتج منافقين لا مواطنين.
ـ هناك صنف فساد أخلاقي يمارس بشكل مخطط ومنظم من أجل ضرب الجبهة الداخلية خدمة للعدوان وبالارتباط معه. هذا الصنف -وهو الأقل مقارنة بسابقيه- يتطلب معالجة أمنية بصورة صارمة، ولا يجدي معه التثقيف. وهنا نذكر -بإجلال- فقيد الوطن مدير عام البحث الجنائي السابق سلطان زابن الذي قام بدور هام في هذا السياق.
إن مسألة تصنيف هذه القضايا ومعالجة كل صنف منها بما يلائمها وعبر الجهات الرسمية المتعلقة بشكل مباشر بها أمر مهم وضروري لنجاح صيانة الجبهة الداخلية من التخريب العدواني وللارتقاء الأخلاقي للشعب، والخلط بينها كما هو سائد اليوم أمر خطير وكارثي يهدد الجبهة الداخلية ولا يصونها.

أهمية الأولويات والتخصص وتكامل الأدوار
الأولويات في القضايا الاجتماعية أمر مهم، فقضايا «الحرب الناعمة» تختص بها مؤسسات الإعلام والثقافة والإرشاد والأمن، وتتكامل الأدوار بقيام بقية المؤسسات بواجبها، فعلى سبيل المثال مكتب الصناعة والتجارة في مديرية ما مهمته الملحة وواجبه الوطني الذي يشدد عليه القائد في كل محاضرة هو محاربة الفساد ورفع المعاناة عن الشعب والاهتمام بالجانب الاقتصادي، فمهمة مكتب الصناعة والتجارة والإنجاز الذي سيدخل السرور إلى قلب قائد الثورة وسيغيظ العدوان من أمريكا حتى صحراء الخليج هو مراقبة الأسعار وأوزان السلع الأساسية ومنع الاحتكار والاستغلال ومحاربة أي جبايات غير قانونية ودعم الإنتاج المحلي الصغير والمنزلي. هذه المهمة ملحة لمكتب الصناعة والتجارة وفيها يثبت وطنية قيادته وموظفيه وجهادهم وإيمانهم، والمواطن يساعد على نجاح بقية الجهود العسكرية الإعلامية الثقافية الأمنية.
فمن أراد إثبات إيمانه ووطنيته ومهنيته فمجال الدفاع عن خبز الشعب مفتوح ويحتاج إلى قوة وصلابة، فهو ميدان للمواجهة مع قوى النفوذ والاحتكار والاستغلال المرابية التي تأكل السحت والتي ترتبط مصالحها بالأجنبي والتي تتمنى انتصار العدوان وعودة نمط حكم بيت الأحمر وبيت عفاش ومن خلفهم من دول العدوان.
فالإنسان يحتاج أولا إلى أن يضمن الخبز ثم بعد ذلك تأتي اهتماماته الدينية وغيرها، وهذه حقيقة تحدث عنها الشهيد القائد السيد حسين الحوثي، والذي قال أيضاً في شأن غير بعيد إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد أن تقول للإنسان يغطي ركبتيه، بل أن تضمن له الاقتصاد، أي أن المسؤوليات الدينية تتجاوز القشور إلى الجوهر.

أترك تعليقاً

التعليقات