المرأة وإعادة إنتاج المجتمع
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
حين يكتب الاقتصاديون عن الإنتاج، تتجه أنظارهم إلى الحقول والمصانع والأسواق، بينما يبدأ الإنتاج الحقيقي قبل ذلك بساعات، داخل بيت تستيقظ فيه امرأة قبل الجميع، تشعل النار، وتعجن الخبز، وتعد الطعام، وتوقظ الأطفال، وتجهزهم ليوم جديد.
ثم تخرج لجلب الماء أو الحطب إذا كانت في الريف، أو تتجه إلى عملها إذا كانت في المدينة، وبعد عودتها تبدأ يوماً آخر داخل المنزل. وقد لا تجد كلمة شكر وثناء؛ لكنها مستمرة في حمل العبء والمسؤولية ولا تحتاج من يذكرها. وهذا إرث تحمله المرأة منذ الجماعات الإنسانية الأولى، منذ كان البيت هو الكهف والرجل يلاحق الطرائد وقد لا يعود قريباً - وهو عمل فدائي حينها لا يقارن بالعمل في المصنع اليوم من حيث المخاطر. من يومها والمرأة تدبر شؤون المنزل/ الكهف، فتجمع الثمار والجذور، ثم عملت في الزراعة حين تم اكتشافها! 
كل عامل يخرج إلى عمله يحمل معه جهداً لم يصنعه بنفسه، فقد حملته أمه صغيراً، وأطعمته، وعلمته الكلام، وربته، ثم جاءت زوجته بعد ذلك لتواصل رحلة الرعاية نفسها، وقد لا تجد رعاية مماثلة من زوجها إلا من رحمه عقله وخُلقه، وهكذا يصل الإنسان إلى الحقل أو المصنع أو المكتب بعد سنوات طويلة من العمل التراكمي الذي أنجز داخل الأسرة، عمل لا تتقاضى عنه المرأة أجراً، ولا يدخل في الحسابات الاقتصادية، مع أنه يسبق كل إنتاج آخر. المرأة لا تلد الإنسان من رحمها فقط، بل تُعيد إنتاج الإنسان في الحياة الاجتماعية اليومية، وتظل بعيدة عن الصورة.
وفي اليمن تتجاوز مسؤولية المرأة حدود البيت، فما يزال معظم السكان يعيشون في الريف، حيث تحمل المرأة على كتفيها جزءاً من الخدمات التي تؤديها الحكومات في بلدان أخرى، فتجلب المياه، وتجمع الحطب، وترعى الماشية، وتشارك في الزراعة والحصاد، ثم تعود لتدير شؤون البيت، وكأنها محطة الماء، ومصدر الطاقة، والمزرعة، والمطبخ، في يوم واحد، ولو توقفت هذه الأعمال أياماً قليلة لاختلت حياة آلاف الأسر.
ولهذا تخدعنا الأرقام حين تبحث عن المرأة في كشوف الرواتب وحدها، فهناك اقتصاد كامل يعمل قبل أن تفتح الأسواق أبوابها، اقتصاد يحمل المجتمع من الداخل، وتديره المرأة، التي لا يظهر اسمها في الناتج المحلي ولا في تقارير التنمية الدولية، مع أن كل طفل يكبر، وكل طالب يذهب إلى مدرسته، وكل عامل يغادر بيته، يحمل شيئاً من ذلك الجهد الذي تراكم بصمت داخل الأسرة، وهو دور لا تلتفت إليه الحركة النسوية -ذات الاتجاه الليبرالي- التي تنشغل باهتمامات شريحة بسيطة من نساء المجتمع المتمدن، وتتجاهل العبء الذي تحمله المرأة، العبء الذي تنوء به الحكومة وتعجز عن حمله! 
كلما ضاقت الأحوال داخل الأسرة، اتسعت مساحة العمل التي تتحملها المرأة، فإذا توقف دخل الزوج، أو فقد عمله، بقيت احتياجات البيت كما هي، عندها تبدأ رحلة التدبير، تستدين، أو تبيع شيئاً من حليها، أو تعمل في البيوت، أو تبيع في الأسواق، أو تحول إحدى غرف المنزل إلى مشروع صغير لصناعة البخور أو المنظفات أو المخبوزات أو الإكسسوارات، وكثير من البيوت عبرت سنوات قاسية لأن امرأة فيها كانت تبتكر كل يوم وسيلة جديدة للإبقاء على الحياة.
وخلال السنوات الأخيرة خرجت أعداد كبيرة من اليمنيات إلى سوق العمل، فضجت بهن الحياة في الصيدليات، والمولات، والمطاعم، ومراكز التجميل، ووسائل الإعلام، وظهرت مئات المشاريع المنزلية الصغيرة، ثم حملت بعضهن حقائب السفر إلى الغربة بحثاً عن رزق يعين الأسرة، بعدما ظل الاغتراب زمناً طويلاً مرتبطاً بالرجل. وفي الوقت نفسه واصلت المرأة مسؤولياتها القديمة داخل البيت، فلم تغادر عملاً إلى عمل آخر، بل أضافت عملاً جديداً إلى أعمالها اليومية.
وفي داخل الأسرة تحمل المرأة مسؤوليات يصعب حصرها، فهي التي تسهر على المريض، وتتابع دراسة الأطفال، وتدير ميزانية البيت، وتحول القليل إلى ما يكفي الجميع، وتحافظ على تماسك الأسرة حين تضيق الموارد، ولهذا تبدو كثير من البيوت اليمنية وكأنها صمدت بقوة الرجال، بينما يكشف الاقتراب منها أن المرأة كانت تحمل العبء الأكبر بصمت، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من دور الرجل. وفي بعض البيوت لم يكن للرجل دور، أو كان متوفى أو شهيداً أو مغترباً تقطعت به السبل لا يُعرف عنه شيء.
ومن يتأمل المجتمع اليمني اليوم يلاحظ حضور الفتيات في المدارس والجامعات والمكتبات وسوق العمل، فالأزمة المرتبطة بالحرب العدوانية والحصار دفعت جيلاً كاملاً إلى البحث عن مستقبله بالعلم والعمل، في نوع من المقاومة المدنية للحرب والموت. وفي المقابل بقيت المرأة تؤدي دورها القديم في رعاية الأسرة، وأضافت إليه أدواراً جديدة فرضتها الظروف الاقتصادية، حتى أصبحت تحمل في يوم واحد ما كانت تتقاسمه في أزمنة سابقة الأسرة والدولة والسوق، ولهذا يصعب فهم كيف بقي المجتمع اليمني متماسكاً من دون الالتفات إلى المرأة، فهي لم تحمل بيتها وحده، بل حملت جانباً كبيراً من المجتمع على كتفيها.

أترك تعليقاً

التعليقات