آفاق المواجهة مع الأحادية القطبية «البريكس»
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
«بريكس» ومسار التحول في النظام الدولي
كشفت القمة الثامنة عشرة لمجموعة «بريكس»، التي انعقدت في نيودلهي يومي 12 و13 أيلول/ سبتمبر 2026، اتساع وزن المجموعة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، وبقاء قدرتها المؤسسية دون مستوى هذا الوزن. تبنت القمة لغة تدافع عن التعددية والسيادة والمساواة بين الدول، وطالبت بإصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وركزت على المدفوعات العابرة للحدود، وأمن الطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، وتعزيز بنك التنمية الجديد، وهذه الاتجاهات تنسجم مع حاجة شعوب الجنوب العالمي إلى نظام يقلص احتكار الغرب للقرار والثروة والمعرفة، وينقل التعدد القطبي إلى مؤسسات وعلاقات اقتصادية أكثر توازناً. ومع ذلك فإن واقع «بريكس» ليس بهذه المثالية ولا مطابقاً على نحو أمثل للاحتياجات والتطلعات.
نشأت «بريكس» داخل عالم اتسم بسيطرة الولايات المتحدة وحلفائها على مفاصل النظام المالي، والمؤسسات الدولية، والتكنولوجيا المتقدمة، وشبكات التجارة والتأمين والنقل. منحت هذه السيطرة القوى الغربية قدرة واسعة على تحديد قواعد الاقتصاد العالمي، وفرض العقوبات، وعزل الدول، والتحكم بالتمويل، وربط التنمية بوصفات اقتصادية توسع الديون والخصخصة والتقشف. حمل صعود الصين وروسيا والهند والبرازيل، واتساع مطالب الدول النامية، قاعدة مادية وسياسية لمواجهة هذا الاحتكار، وتحولت «بريكس» تدريجياً إلى التعبير الأبرز عن الرغبة في إعادة توزيع القوة داخل النظام الدولي.
تضم المجموعة قوى كبرى في السكان والإنتاج والطاقة والتجارة، واتسعت عضويتها لتشمل دولاً إقليمية في آسيا وأفريقيا و»الشرق الأوسط». عزز التوسع قدرتها على تمثيل مساحة أوسع من الجنوب العالمي، ورفع حجم مواردها وأسواقها وممراتها البحرية، ومنحها ثقلاً أكبر في التفاوض بشأن إصلاح المؤسسات الدولية، وفي الوقت نفسه، أدخل التوسع مصالح سياسية وأمنية متباينة إلى المجموعة، فإيران تواجه الحرب والعقوبات والضغط الغربي، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات أمنية ومالية واسعة مع الولايات المتحدة، وتوازن الهند بين شراكتها داخل «بريكس» وعلاقاتها مع الغرب، وتحتفظ البرازيل وجنوب أفريقيا بأولويات ترتبط بأوضاعهما الداخلية ومحيطهما الإقليمي.
يفرض هذا التنوع نمطاً حذراً في اتخاذ القرار، لأن قاعدة التوافق تمنح كل عضو قدرة على إبطاء المواقف التي تمس علاقاته الخارجية. 
يمنح التوسع «بريكس» ثقلاً تفاوضياً أكبر، ويجعل بناء موقف سياسي موحد أكثر صعوبة، لذلك تتركز فرص التقدم في المجالات التي تجمع مصالح الأعضاء، مثل التجارة والطاقة والمدفوعات والاستثمار والتكنولوجيا، بينما تتحرك الملفات الأمنية والجيوسياسية بوتيرة أبطأ.
حقق بنك التنمية الجديد أبرز إنجاز مؤسسي للمجموعة، فقد بلغ إجمالي التمويل المعتمد منذ تأسيسه نحو 35.6 مليار دولار موزعاً على 115 مشروعاً، بينها 19 مشروعاً بقيمة 3.17 مليار دولار خلال العام 2025. تمثل هذه الحصيلة خطوة عملية في بناء مصدر تمويل تقوده دول الجنوب، وتبقى محدودة عند مقارنتها بحاجات البنية الأساسية والتنمية، وبالقدرات المالية للبنك الدولي والمؤسسات الغربية. كما يعمل البنك داخل أسواق مالية تخضع للتصنيف الائتماني الغربي، ويحتاج إلى الاقتراض وجذب المستثمرين والمحافظة على قدرته على الوصول إلى رأس المال الدولي، وهو ما يقيد حركته تجاه الدول الواقعة تحت العقوبات.
تقدمت كذلك المحادثات بشأن ربط أنظمة الدفع الوطنية، وزيادة تسوية التجارة بالعملات المحلية، وربط وسائل الدفع السريع والعملات الرقمية للبنوك المركزية. تعد مسألة تخفيض كلفة التحويلات وتقليل تعرض التجارة للعقوبات مصلحة مباشرة للدول النامية، خاصة الدول التي تستخدم واشنطن ضدها الدولار وشبكات المقاصة سلاحاً سياسياً. وقد توصلت «بريكس» في هذا المجال إلى اتفاقات ثنائية وتجارب تقنية ومشروعات للربط، بينما بقي إنشاء شبكة مالية مشتركة في طور البناء.
تكشف مكانة الدولار حجم المهمة، فقد استحوذ على نحو 57٪ من الاحتياطيات العالمية المعلنة في الربع الأول من العام 2026. ويستند الدولار إلى حجم الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواق المال، وتسعير السلع، وشبكات المقاصة، وانتشار المصارف المراسلة، والثقة المتراكمة في الأصول الأمريكية. 
يحتاج تقليص هذه المركزية إلى أسواق مالية بديلة، وأصول آمنة، وسيولة كبيرة، وتنسيق نقدي، وضمانات قانونية، واستقرار في أسعار الصرف، وفي هذا المجال قطعت «بريكس» خطوات في تنويع العملات المستخدمة في التجارة، ويظل الانتقال إلى بنية نقدية مستقلة مساراً طويلاً وتراكمياً.

الممانعة الغربية والتناقضات الداخلية
تنظر القوى الغربية إلى توسع «بريكس» بوصفه تحدياً لقدرتها على صياغة قواعد النظام الدولي. وتتجاوز القضية مسألة الخطاب السياسي؛ لأن تطوير أدوات تمويل ودفع مستقلة يمس مصادر القوة التي بنت عليها الولايات المتحدة نفوذها العالمي؛ إذ يمنح الدولار واشنطن قدرة على مراقبة التحويلات، وتجميد الأصول، وتهديد المصارف، وفرض العقوبات الثانوية على الشركات والدول التي تتعامل مع خصومها، لذلك يحمل أي مسار يقلص المرور بالقنوات الأمريكية أثراً سياسياً، حتى عندما يبدأ في صورة ترتيبات تقنية.
تشمل الممانعة الغربية الرسوم التجارية، وتقييد تصدير الرقائق والتقنيات المتقدمة، والعقوبات المالية، وتهديد المصارف، والتحكم بالملكية الفكرية والمعايير الرقمية، والضغط على شركات النقل والتأمين والتصنيف الائتماني. وتستخدم الولايات المتحدة المؤسسات الدولية لفرض سياسات ماليــة تمنح الدائنين أولوية على حاجات التنمية، وتدفع الدول المدينة إلى تخفيض الإنفاق العام وبيع الأصول وفتح أسواقها أمام رأس المال الخارجي. تتكامل هذه الأدوات مع التحالفات العسكرية والضغوط الدبلوماسية والحملات الإعلامية التي تقدم الهيمنة الغربية بوصفها نظاماً دولياً قائماً على القواعد، مع احتفاظ الغرب بحق وضع هذه القواعد وتفسيرها وتطبيقها.
تعمل واشنطن كذلك على احتواء «بريكس» عبر علاقات ثنائية متفاوتة مع أعضائها، فتقدم الحوافز للهند والبرازيل ودول الخليج، وتكثف الضغوط على روسيا وإيران والصين، وتهدف هذه السياسة إلى إبقاء المجموعة ساحة تنسيق عامة، وإبطاء نشوء التزامات تنفيذية مشتركة. وتمنح العلاقات الثنائية بعض الأعضاء مكاسب تجارية أو أمنية أو تكنولوجية تدفعهم إلى الحذر تجاه المشروعات التي قد تعرض مصالحهم الغربيــــــة المباشــرة للخطر.
تستفيد هذه السياسة من ضعف التكامل داخل الجنوب نفسه، حيث تعتمد عدة دول في «بريكس» على الأسواق الغربية والاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا والدولار، وتخشى كلفة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتتنافس الصين والهند في قضايا حدودية وصناعية ونفوذ إقليمي، كما تتباين أولويات الدول المنتجة للطاقة والدول المستوردة لها، وتختلف أنظمة الحكم وأوضاع التنمية واحتياجات التمويل. يوظف الغرب هذه التباينات عبر تقديم امتيازات منفردة لبعض الأعضاء، وتشديد الحصار على أعضاء آخرين، وربط التعاون الاقتصادي والأمني بمستوى ابتعاد الدولة عن المشروعات الجماعية لـ»بريكس».
تتحمل دول المجموعة الكبرى جزءاً أساسياً من مسؤولية بطء البناء المؤسسي. تملك الصين فائضاً مالياً وصناعياً وتجارياً واسعاً، وتمتلك روسيا موارد الطاقة والقدرات العسكرية، وتملك الهند سوقاً كبيرة وقاعدة تقنية متقدمة. إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة مشتركة يحتاج تنازلات وتوزيعاً للأعباء والمكاسب، وتخشى كل قوة أن تتحمل كلفة مؤسسات يستفيد منها الآخرون، أو أن تمنح منافسيها نفوذاً داخل أسواقها. وهكذا تدفع هذه الحسابات «بريكس» نحو الاتفاقات المرنة والتدريجية، وتؤخر تأسيس أدوات جماعية ذات سلطة وموارد واضحة.
تظهر المشكلة أيضاً في طبيعة المشروع التنموي نفسه. تستطيع دول «بريكس» توسيع تجارتها واستثماراتها مع البلدان النامية، مع استمرار تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة والتكنولوجيا، وقد تنتقل الدولة التابعة بين شريك غربي وشريك شرقي، بينما تبقى بنيتها الاقتصادية قائمة على الاقتراض والاستخراج وضعف الصناعة المحلية، وعندها يصبح التعدد القطبي إعادة توزيع للأسواق بين مراكز رأسمالية متعددة، وتحصل النخب الحاكمة على شروط تفاوض أفضل، فيما تستمر أوضاع العمال والفلاحين والفئات الفقيرة على حالها.
تحتاج شعوب الجنوب إلى تعددية تغير شروط التبادل، وتدعم توطين الصناعة، وتخفف عبء الديون، وتمول الخدمات العامة، وتحترم السيادة الوطنية، وتحمي الموارد من النهب. وتتحمل الصين وروسيا والهند مسؤولية أكبر، بحكم وزنها داخل المجموعة. ولهذا فما سيعطي «بريكس» مضموناً مختلفاً عن الهيمنة الغربية هو ربط التمويل بنقل التكنولوجيا، وتوسيع التصنيع المحلي، وإقامة مشروعات إنتاجية مشتركة، وتخفيف الشروط السياسية والمالية. أما تركيز الاستثمار على استخراج الموارد وفتح الأسواق فيعيد إنتاج علاقات التبعية بأطراف جديدة.
طرحت قمة نيودلهي تعاوناً في الذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي والتجارة الرقمية، وهي مجالات ستحدد مراتب القوة خلال العقود المقبلة. تحتاج دول الجنوب إلى دخول هذه المجالات حتى تتجنب تجدد التبعية عبر احتكار البيانات والرقائق والمنصات والمعايير، ويتطلب ذلك بنية بحثية وتعليمية مشتركة، وتمويلاً للجامعات والمختبرات، وتدريب الكوادر، وتوسيع وصول الدول الأقل دخلاً إلى المعرفة. أما انحصار التعاون في شراكات الشركات الكبرى فسيوسع الفجوة داخل «بريكس»، ويجمع المكاسب في الدول الأقدر على الاستثمار والبحث العلمي.

 آفاق التعدد القطبي ومستقبل «بريكس»
يتركز المسار الممكن خلال السنوات القريبة في زيادة التسويات بالعملات المحلية، وربط بعض أنظمة الدفع، وتوسيع عضوية بنك التنمية الجديد، وتمويل مشروعات البنية الأساسية، وتعزيز التجارة البينية، وتنسيق المواقف بشأن إصلاح المؤسسات الدولية. ستخفض هذه الخطوات تعرض بعض الدول للعقوبات، وتمنحها بدائل تفاوضية وتمويلية أوسع، وتحد تدريجياً من قدرة واشنطن على استخدام العزل المالي ضد اقتصاد دولة كاملة.
يمكن لصيغة «بريكس+» أن تتحول إلى دائرة تعاون مرنة تستوعب دولاً تفضل الشراكة الاقتصادية على العضوية الكاملة والاصطفاف السياسي الحاد، ويساعد هذا المسار على توسيع شبكة العلاقات حول المجموعة، ورفع حجم التجارة والاستثمار، وربط مشروعات الطاقة والنقل والموانئ والاتصالات، كما يمنح الدول الصغيرة قدرة أكبر على تنويع شركائها، وتحسين شروط العقود، وتقليل اعتمادها على سوق أو ممول واحد.
يحتاج التحول الأعمق إلى صندوق استقرار نقدي أكثر فاعلية، وآلية مقاصة واسعة، وزيادة الإقراض بالعملات الوطنية، ومؤسسة مستقلة للتصنيف الائتماني، وتأمين بحري وتجاري بعيد عن السيطرة الغربية، وشبكة لحماية المعاملات من العقوبات الثانوية، ويحتاج كذلك إلى مشروعات إنتاجية تربط التمويل بالتصنيع ونقل التقنية، وقواعد تحد من هيمنة أقوى الأعضاء، وتمثيل فعلي للدول الشريكة والأقل دخلاً في تحديد الأولويات.
يجلب بناء هذه البدائل دفع كلفة سياسية ومالية، لأن القوى الغربية ستدافع عن امتيازاتها، عبر الضغط والعقوبات والاحتواء والانقسام. ويتوقف تقدم «بريكس» على استعداد أعضائها لتقاسم هذه الكلفة، وحماية مؤسساتهم المشتركة، ومنحها موارد وسلطات تتجاوز البيانات الدبلوماسية. كما يتوقف على قدرة المجموعة على إدارة تناقضاتها بطريقة تمنع العلاقات الثنائية مع الغرب من تعطيل المصالح الجماعية.
يرجح أن تتحرك «بريكس» بسرعات مختلفة، فتتقدم التجارة والتقنية والتسويات الثنائية بوتيرة أسرع، بينما تتأخر المؤسسات النقدية والأمنية المشتركة، وقد تدفع الممانعة الغربية الدول الواقعة تحت العقوبات إلى تسريع البدائل، وتدفع الدول الأكثر ارتباطاً بالأسواق الغربية إلى اعتماد خطوات محسوبة. وستظهر قيمة المرحلة المقبلة عبر حجم المشروعات القابلة للقياس، وحصة التمويل بالعملات الوطنية، وقدرة الدول المستهدفة بالعقوبات على مواصلة تجارتها، ونصيب الدول الأقل دخلاً من الاستثمار ونقل المعرفة.
يمثل التعدد القطبي ضرورة تاريخية لشعوب الجنوب العالمي، لأنه يوسع مساحة القرار الوطني، ويقيد قدرة مركز واحد على فرض الحصار والعقوبات، ويفتح فرصاً لتنويع التمويل والتجارة والتكنولوجيا، ويتحدد المضمون التحرري لهذا التحول بموقع الشعوب داخل التنمية والإنتاج وتوزيع الثروة.
نجاح «بريكس» سيقاس بقدرتها على بناء مؤسسات تقلص التبعية، وتحمي السيادة، وتمنح الدول النامية أدوات عملية للدفاع عن مصالحها. وعند تراكم هذه الأدوات، تنتقل المجموعة من موقع الكتلة التفاوضية إلى قوة تشارك في صياغة نظام عالمي أكثر توازناً وعدلاً.

أترك تعليقاً

التعليقات