التحالف البحري السعودي ومسار المواجهة
- أنس القاضي الأحد , 2 أغـسـطـس , 2026 الساعة 12:16:02 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
تورطت السعودية في حرب عدوانية على اليمن منذ عام 2015م، بدأت بتحالف من 17 دولة، وانتهت إلى تحالف سعودي -إماراتي في ديسمبر 2025م، لتجد السعودية نفسها، في يناير 2026م، وحيدة، ولا تزال تصدر بيانات باسم «التحالف العربي»!
وعلى غرار «التحالف العربي»، تريد إعادة إنتاج تحالف بحري جديد، عبر حشد الدول ووسائل الإعلام، وعقد المؤتمرات والتقاط الصور، ولما كانت مهمة التحالف السابق إسقاط القوى الوطنية في صنعاء، فإن مهمة التحالف الراهن الحد من آثار بعض عمليات صنعاء، ومسار التراجع السعودي، مقارنةً بطموحاتها وشعاراتها، واضح، دون أن يعني ذلك أن تحركها الأخير في البحر الأحمر مجرد فقاعة سياسية.
جاء إعلان السعودية في 30 يوليو 2026م بعد عجزها طوال 10 أيام من إيقاف معادلة الحصار بالحصار اليمنية، وانتقال العمليات اليمني من مطار أبها إلى السفن في البحر الأحمر وصولاً إلى شركة أرامكو، وخطوط نقل النفط داخل العمق السعودي، وأصبحت الرياض أمام تهديد يجمع بين أثر الضربات العسكرية المباشرة ورفع تكاليف الشحن والتأمين.
شارك ممثلو 43 دولة والاتحاد الأوروبي في الاجتماع الذي استضافته الرياض، بينما أيدت أربع عشرة دولة البيان التأسيسي للمشروع، وهي: السعودية، الكويت، البحرين، قطر، باكستان، تركيا، مصر، الأردن، حكومة المرتزقة -عدن، بنغلاديش، نيجيريا، السودان، جيبوتي، والصومال.
حدد التحالف البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن مجالاً لعمله، على أن تكون قيادته ومقره الدائم في السعودية، غير أن التحالف لا يزال إطاراً أولياً، إذ لم يكتمل ميثاقه وهيكله وترتيبات القيادة والسيطرة وقواعد الاشتباك، كما أن تأييد البيان لا يساوي تخصيص سفن أو طائرات أو قوات، ولا يلزم الدول المشاركة بالموافقة على كل عملية تقررها القيادة السعودية.
تريد الرياض من خلال المشروع حماية الموانئ والصادرات النفطية ومسار نقل النفط من شرق المملكة إلى ينبع، وتوسيع قدرتها على المراقبة والإنذار المبكر والدفاع البحري، لكنها تسعى أيضاً إلى تحقيق مكسب سياسي، يقوم على إعادة تقديم المواجهة بوصفها تهديداً للتجارة والطاقة الدوليتين، بدلاً من بقائها صراعاً سعودياً يمنياً يرتبط بالعدوان والحصار وتعثر ملفات الرواتب والمطار والموانئ وخارطة الطريق، فكلما اتسعت قائمة الدول المؤيدة للتحالف، وتحاول السعودية على تدويل أثر العمليات اليمنية وحشد الحكومات وشركات الشحن والتأمين ضد اليمن.
يحمل المشروع بعداً يتجاوز جولة التصعيد الحالية بين اليمن والمملكة، إذ يمنح السعودية فرصة لتأسيس مرجعية بحرية إقليمية تقودها من أراضيها، وتتولى جمع المعلومات وتنسيق التدريبات وتحديد الأولويات الأمنية، بما يعزز موقعها في إدارة البحر الأحمر وباب المندب، غير أن هذا الطموح يواجه تعدد القوى الموجودة في المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرقة 153 التابعة للقوات المشتركة، والمهمة الأوروبية «أسبيدس»، ولذلك ستتوقف فاعلية المشروع على مستوى ارتباطه بهذه المنظومات، وسيصبح التحالف السعودي واقعي وله قدرة عملية بقدر ما يتلقاه من دعم أمريكي وبريطاني.
واقعياً لا تمثل الدول الأربع عشرة كتلة عسكرية متجانسة، فاتفاقها على حماية الملاحة مبدئياً لا يثبت اتفاقها على تعريف مصدر التهديد، ولا التزامها بالمشاركة في عمليات داخل اليمن، وتختلف حساباتها وفق علاقتها بالسعودية ومصالحها البحرية واستعدادها لتحمل الكلفة السياسية والعسكرية، إضافة إلى احتفاظ كل دولة بحق قبول العمليات أو رفضها -كما ورد في البيان- ولهذا يُرجح أن تتشكل داخل التحالف نواة عملياتية محدودة تقودها السعودية وتساندها دول قليلة، بينما تمنح بقية الدول المشروع ثقلاً سياسياً وتشارك بدرجات متفاوتة في التدريب والمعلومات والمراقبة.
ويضع غياب عُمان والإمارات حدوداً أمام تقديم المشروع بوصفه إجماعاً خليجياً، فعُمان تؤدي دور الوسيط بين صنعاء والرياض وتتحفظ تقليدياً على نقل الخلافات إلى أطر عسكرية، بينما تمتلك الإمارات موانئ وشبكات نفوذ وقدرات بحرية مهمة في خليج عدن والبحر الأحمر وإن كانت في حالة صراع للإبقاء عليها أو خسرت حليفا هنا او هناك، ويمنع غيابهما جمع أهم القدرات والمواقع الخليجية داخل قيادة سعودية واحدة، كما يترك مجالاً لاختلاف المقاربات تجاه الحرب اليمنية وأمن الممرات البحرية.
ستبدأ تداعيات المشروع على صنعاء في المجالين السياسي والاستخباري قبل ظهوره عسكرياً، فالتنسيق وتبادل المعلومات ورفع قدرات المراقبة قد يساعد السعودية على حماية الموانئ والمنشآت وتتبع العمليات وتقليص أثر الحظر، بينما يوفر الحشد الدولي للمملكة غطاءً لتحركات دبلوماسية وإعلامية أوسع، أما تحوله إلى تهديد عسكري مباشر فيتطلب اكتمال الميثاق والقيادة والسيطرة، وتخصيص السفن والطائرات، والحصول على تسهيلات لاستخدام الموانئ والمجالات الجوية، ووضع قواعد اشتباك تسمح بالاعتراض أو تنفيذ عمليات قتالية، والدول المشاركة ليست متحمسة لخوض حرب جديدة في المنطقة، فيما لا تزال الحرب العدوانية على إيران قائمة.
الأرجح في المدى القريب بقاء التحالف مظلة سياسية ومؤسسية للمراقبة والإنذار والحماية، مع تشغيل عسكري محدود تقوده السعودية وشركاء قليلون لمهام دفاعية قريبة مما يقوم به التحالف الأوربي «أسبيدس»، من دون تحوله سريعاً إلى قوة جماعية تخوض حرباً هجومية ضد اليمن على غرار «تحالف الازدهار» الأمريكية البريطانية 2023م-2025م.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي