تجربة اليسار في أمريكا اللاتينية والمتغيرات السياسية 2023-2026م.. التحولات الطبقية والاقتصادية والصراع الدولي على النفوذ .. «حلقة ثانية»
- أنس القاضي الجمعة , 6 نـوفـمـبـر , 2026 الساعة 6:39:37 PM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
ثانياً: التحولات السياسية والانتخابية خلال 2023-2026م
تراجع اليسار في أمريكا الجنوبية
شهدت أمريكا الجنوبية خلال الفترة 2023-2026م انتقال السلطة من اليسار إلى اليمين في أربع دول رئيسية، هي الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا، مع استمرار الحكومات اليمينية في الإكوادور وباراغواي، وصعود اليمين في بيرو. ويعكس هذا الاتجاه تراجعاً في الانتشار الجغرافي للحكومات اليسارية مقارنة ببداية العقد، وإن اختلفت أسباب التحول بين أزمة اقتصادية ممتدة، وتفكك التحالفات الحاكمة، وتصاعد المطالب الأمنية، واستنزاف الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية.
ففي الأرجنتين، انتهت تجربة الحكم البيروني بقيادة ألبرتو فرنانديز بفوز خافيير ميلي في نوفمبر 2023م، على خلفية أزمة اقتصادية شملت التضخم المرتفع وتدهور قيمة العملة وتراجع القدرة الشرائية. واستطاع ميلي توظيف السخط الاجتماعي ضد الطبقة السياسية والمؤسسات الحكومية، وطرح برنامجاً يقوم على تقليص دور الدولة وتحرير الاقتصاد وخفض الإنفاق العام. وقد عكس فوزه أزمة في قدرة البيرونية على المحافظة على تحالفها التقليدي بين العمال والنقابات والطبقات الوسطى والقطاعات الشعبية، مع استمرار وجود قاعدة اجتماعية وتنظيمية مهمة لهذا التيار.
وفي بوليفيا، انتهى حكم الحركة نحو الاشتراكية بعد نحو عقدين من الهيمنة السياسية، بفوز رودريغو باز في أكتوبر 2025م. وجاء التحول في ظل أزمة اقتصادية وتراجع إيرادات الغاز ونقص العملات الأجنبية والوقود، بالتزامن مع انقسام الحركة بين أنصار إيفو موراليس ولويس آرسي. وأضعفت هذه الانقسامات قدرة اليسار على المحافظة على تحالفه الاجتماعي الذي ضم الفلاحين والسكان الأصليين والعمال والقطاعات الشعبية، وأظهرت أن الامتداد التنظيمي الطويل لا يحول دون خسارة السلطة عندما تتفاقم التناقضات الاقتصادية والسياسية داخل الكتلة الحاكمة.
أما تشيلي، فقد شهدت انتقال السلطة إلى اليمين المحافظ بفوز خوسيه أنطونيو كاست في ديسمبر 2025م، بعد تجربة حكومة غابرييل بوريتش التي وصلت إلى الحكم على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة المطالبة بإصلاح النظام الاقتصادي والدستوري. وقد واجهت الحكومة صعوبات في تنفيذ برنامجها، إلى جانب تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن والجريمة والهجرة، وفشل مشروعات التغيير الدستوري في الحصول على التأييد الشعبي. وكشفت هذه التطورات عن المسافة بين القدرة على تعبئة الاحتجاج الاجتماعي والقدرة على تحويل مطالبه إلى مشروع سياسي يحظى بأغلبية مستقرة.
وفي كولومبيا، انتهت تجربة غوستافو بيترو الرئاسية بفوز أبيلاردو دي لا إسبرييا في يونيو 2026م، بعد مرحلة اتسمت بالاستقطاب السياسي والصراع حول الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. وكانت تجربة بيترو ذات أهمية تاريخية بوصفها أول وصول لليسار إلى الرئاسة في البلاد، لكنها واجهت مقاومة مؤسسية وسياسية، إلى جانب صعوبات تنفيذ برنامج الإصلاح. وأظهر انتقال السلطة استمرار قدرة القوى المحافظة على استعادة المبادرة الانتخابية، رغم اتساع حضور اليسار في الحياة السياسية الكولومبية.
استمرار اليسار وعودته في البرازيل والمكسيك وأوروغواي
في مقابل هذه الخسائر، حافظ اليسار على الحكم في البرازيل والمكسيك، وعاد إلى السلطة في أوروغواي، وهو ما يحد من تفسير التحولات الإقليمية بوصفها تراجعاً عاماً ومتجانساً للقوى اليسارية.
ففي البرازيل، نجح لولا دا سيلفا في الفوز بولاية رئاسية جديدة في أكتوبر 2026م، بعد منافسة حادة مع فلافيو بولسونارو، وحصل على 51.79% من الأصوات في الجولة الثانية. ويعكس استمرار حزب العمال في الحكم احتفاظه بقاعدة اجتماعية واسعة، تشمل قطاعات من العمال والفقراء والحركات الشعبية والنقابات، إلى جانب تحالفات مع قوى سياسية وسطية ويسارية. غير أن التقارب النسبي في النتائج يكشف استمرار الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وصعوبة تحويل التفوق الانتخابي إلى هيمنة سياسية مستقرة.
وفي المكسيك، حققت كلوديا شينباوم فوزاً واسعاً في انتخابات 2024م، محافظة على السلطة لحركة مورينا التي أسسها أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. واستفادت الحركة من برامج اجتماعية واسعة وقاعدة شعبية منظمة وخطاب يربط العدالة الاجتماعية بالسيادة الوطنية، مع المحافظة على علاقات اقتصادية وثيقة بالولايات المتحدة. وتكشف التجربة المكسيكية عن قدرة اليسار على تجديد قيادته والمحافظة على استمرارية مشروعه السياسي، رغم القيود الاقتصادية والأمنية المرتبطة بموقع البلاد في الاقتصاد الأمريكي الشمالي.
وفي أوروغواي، استعادت الجبهة العريضة السلطة بفوز ياماندو أورسي في نوفمبر 2024م، بعد فترة حكم يميني بدأت عام 2020م. وتتميز الجبهة العريضة بطابعها التحالفي الذي يضم أحزاباً شيوعية واشتراكية واجتماعية ديمقراطية وتيارات تقدمية أخرى، وبعلاقات تاريخية مع الحركة النقابية. وتقدم هذه التجربة نموذجاً لاستمرار اليسار بوصفه قوة سياسية واجتماعية قادرة على العودة إلى الحكم عبر المؤسسات الديمقراطية، والمحافظة على تحالف تنظيمي واسع رغم اختلاف مكوناته الأيديولوجية.
أمريكا الوسطى والكاريبي
شهدت أمريكا الوسطى تراجعاً إضافياً لليسار بخسارة حزب ليبرتي الحكم في هندوراس خلال انتخابات نوفمبر 2025م، وفوز نصري عصفورة مرشح الحزب الوطني المحافظ. وحصلت مرشحة الحزب الحاكم ريشي مونكادا على نحو 19.2% من الأصوات، مقابل نحو 40.3% لعصفورة، ما أظهر اتساع التراجع الانتخابي للحزب اليساري بعد ولاية زيومارا كاسترو.
وفي المقابل، مثل وصول برناردو أريفالو إلى الحكم في غواتيمالا عام 2024م تقدماً لتيار إصلاحي من يسار الوسط، ارتبط برنامجه بمكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات السياسية. واستمرت في السلفادور وبنما وكوستاريكا حكومات يمينية أو محافظة، مع اختلاف توجهاتها الاقتصادية وطبيعة قواعدها الاجتماعية.
أما دول الكاريبي، فقد شهدت تحولات متفاوتة، شملت خسارة حزب العمال الوحدوي الحكم في سانت فنسنت والغرينادين عام 2025م، واستمرار حزب العمال في سانت لوسيا، إلى جانب تغييرات حكومية في ترينيداد وتوباغو. وحافظت كوبا على نظامها السياسي بقيادة الحزب الشيوعي، بينما استمرت السلطة الساندينية في نيكاراغوا ضمن نظام سياسي تتعرض تعدديته الانتخابية والحريات العامة فيه لانتقادات واسعة.
وتبرز فنزويلا بوصفها حالة مختلفة عن التحولات الانتخابية، بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو في يناير 2026م خلال عملية عسكرية أمريكية، وانتقال السلطة المؤقتة إلى ديلسي رودريغيز. وقد ارتبط هذا التحول بإعادة ترتيب العلاقات الخارجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مع استمرار عناصر من البنية السياسية والمؤسسية السابقة. وتكشف الحالة الفنزويلية عن تداخل الصراع الداخلي مع التدخل الخارجي، وعن حدود استخدام التصنيف الانتخابي التقليدي لفهم تغير السلطة في البلاد.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي