«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 11٧
- مروان ناصح الثلاثاء , 5 مـايـو , 2026 الساعة 1:07:10 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
بائع العرقسوس المتجول.. نغمة الصيف في طرقات الذاكرة
كان الصيفُ في المدن القديمة يبدأ بصوتٍ لا يُخطئه السمع: رنين الصنوج الصغيرة التي يقرعها ببعضها بائع العرقسوس وهو يشقّ السوق بخطواتٍ مطمئنة، وطربوش خمري من لون شرابه العتيق.
لم يكن محض بائع أو سقّاء شراب، بل موسيقيّ العطش، يأتي محمّلاً برائحة التراث ودفء الحارات، وعلى ظهره إبريقٌ كبيرٌ يلمع كقطعة شمسٍ سائحة.
الصناجة.. جرس الذاكرة
ذلك الصوت المعدنيّ المتراقص بين الجدران، كان إعلاناً عن فرحٍ صيفيّ صغير.
لا مكبّرات صوت، لا إعلان ولا إعلان مضاد، بل نغمة واحدة توقظ العطش ثم تشفيه.
كان الأطفال يهرولون نحوه، والنساء يطللن من الشبابيك، كأن المدينة بأسرها تستيقظ على نداءٍ شجي تألفه منذ قرون.
الإبريق النحاسي..
مرآة الشمس
يحمله على ظهره كأنه تاجٌ من نحاسٍ مسحور، يلمع في الضوء ويعكس الوجوه العابرة.
كلما انسكب الشراب، بدا الإبريق يغني للظلّ الذي لم يأتِ بعد.
كان الإناءُ شاهداً على حمَّارة الظهيرة، وعلى عطشٍ يتلوّن بالفرح كلّما امتلأت الكؤوس الصغيرة.
العرقسوس.. نكهة الارتواء
ذلك السائل البنيّ الداكن لم يكن محض شرابٍ شعبي، بل جرعة ذاكرة تعود إلى أزمنة القوافل والخانات.
نكهته تجمع بين الحلاوة والمرارة، كأنها خلاصة الحياة نفسها.
لا يرويك تماماً، بل يترك فيك رغبةً في رشفةٍ أخرى.. ورحلةٍ أخرى.
الكؤوس النحاسية..
أناقة البساطة
لم يكن يقدّم شرابه في أكوابٍ زجاجية، بل في أكوابٍ نحاسية تبرق تحت الشمس، كأنها أجراس صغيرة تشرب الضوء.
يملؤها بانحناءة محسوبة، ويد ماهرة، تعلّمت التوازن بين الكرم والحذر.
كل رشفةٍ منها كانت لقطةً من فيلمٍ قديمٍ يتجدد طعمه.
الشارع.. مسرح البائع
يمشي بخطواتٍ تشبه إيقاع نداءاته، زقاقٌ يسلمه إلى آخر، ووجوهٌ تتعدد في النهار وتغيب في المساء.
المدينة كلّها كانت خشبة مسرحيته، وهو ممثلها الدائم الذي يؤدي دوره دون أن يخطئ بنغمة واحدة.
حتى غبار الطريق كان جزءاً من ديكور العرض اليومي.
البائع والناس.. عقدٌ من الودّ
لم يكن الزبون مستهلكاً، بل شريكاً في طقسٍ عتيق. يناديه الناس، باسم شرابه المعتق. يمازح الأطفال، ويخلف في قلوبهم نغمةً لا تنطفئ.
كان يوزّع شرابه وابتسامته معاً، والسعادة تُقاس بمقدار ما يُسكب من العرقسوس في الكأس.
حين خفت الصوت..
وغاب الظلّ
رحل البائع من الأسواق والأزقة، كما رحلت أنغامه، واستبدل الناس صوته بضجيج المكيّفات وآلات التبريد.
لم يعد أحد ينتظر نغمة الصناجة النحاسية الأليفة، ولا يلتفت إلى الإبريق النحاسي الملثم بالقماش المزخرف.
لكن الذاكرة، تلك الرفيقة العنيدة، ما تزال تسمع الصوت من بعيد، وتبتسم وهي تتلمظ بالعطش القديم.
خاتمة:
كان بائع العرقسوس سفيرَ الصيف القديم، ورمزاً لزمنٍ كانت فيه البساطةُ فنّاً والطعوم احتفالاً.
رحل صوته عن الأسواق والأزقّة؛ لكنه بقي في الروح أجراساً صغيرة ترنّ كلّما طغى الحرّ واشتدّ الحنين.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح