طهران وترامب العالق بين خيارين
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لقد وقعت الولايات المتحدة في مربع الزوال، كنتيجة طبيعية لمدى الطغيان والعلو والاستكبار وسفك الدماء وتدمير المقدرات ونهب الثروات على طول الكرة الأرضية وعرضها. وكان عدوانها على الجمهورية الإسلامية هو: صيحةُ فنائها الحتمي؛ لتأخذ طهران بناصية الزمن؛ مدونةً على صفحات الكرامة تاريخ: «ما بعد إمبراطورية الشر». وما شطحات ترامب الأخيرة سوى محاولات فاشلة لستر فضيحة الهزيمة النكراء.
ما الذي يدور وراء كواليس برنامج هوليوود الأمريكي المسمى «مشروع الحرية»؟ يكشف تحليل الأزمة الداخلية في واشنطن، والذي يستند إلى معلومات جديدة من مجلس الشيوخ أن هذه الخطة ليست عملية ذات بعد متماسك، ولا تعكس أي رؤية سياسية واعية، بل هي محاولة غير موفقة للبيت الأبيض على طبيعة ما تعيشه الولايات المتحدة من ضياع وتخبط، واتساع نطاق التباين والصراع بين المؤسسات، للبحث عن نافذة للخروج من مأزق قانوني وجيوسياسي.
تعيش أمريكا مأزقا قانونيا وذلك نتيجة (فخ الستين يوماً)
بموجب قانون صلاحيات الحرب الأمريكي، انقضت مهلة الستين يوماً التي حددها ترامب لشن الحرب دون موافقة الكونغرس. وكشفت معلومات استخباراتية جديدة (OSINT) أن مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يعملون على صياغة «تفويض مشروط لاستخدام القوة العسكرية» (AUMF). وعليه فإن هدف ترامب من إرسال السفن التجارية كطعم في «مشروع الحرية» هو التالي: إنه يحتاج إلى صراع مزيف وتظاهر بمظهر الضحية لإخافة الكونغرس وحمله على منح هذا التفويض.
وعليه فليس أمامها سوى الاستسلام الحتمي لما ثبتته طهران من معادلات رسمتها الإرادة والجغرافيا، لذلك يسعى مجلس الشيوخ لفرض (حظر استخدام القوات البرية) وهذا الأمر هو البعد الذي قام عليه جوهر المسألة في بنود مسودة مجلس الشيوخ: «حظر استخدام القوات البرية وتحديد مدة زمنية للصراع».
يمثل هذا البند استسلاماً صريحاً للنظام السياسي الأمريكي لمقتضيات الواقع الميداني الذي فرضته طهران، ودعمته الجغرافيا. فواقع الميدان يُظهر استحالة فتح مضيق هرمز من جانب واحد دون احتلال عسكري للسواحل الإيرانية. وعندما يمنع مجلس الشيوخ دخول القوات البرية، فإنه يقول فعلياً للبحرية الأمريكية العاجزة: «أنتم مجرد متفرجين!».
أما ما يعزز هذا الاستنتاج فهو: مثلث الردع الجديد لطهران
من جهة أخرى، لم تكتف طهران بإلقاء ترامب في فخ تهوره، بل غيّرت قواعد اللعبة أيضاً. لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تجاري؛ ففي العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، أصبح هرمز عنصراً أساسياً في الردع، إلى جانب برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية.
إن فكرة أن واشنطن تستطيع فتح مضيق هرمز دون تقديم تنازلات جيوسياسية ملموسة لطهران هي مجرد وهم.
لا شيء يأتي مجاناً. يواجه ترامب الآن جيشاً منهكاً، وذخيرة فارغة، ومؤسسات مكبلة الأيدي. إنه عالق بين خيارين: إما الاستسلام لنظام طهران الأمني الجديد، أو الاستمرار في التباهي على تويتر بينما تفلت السيطرة على الشرق الأوسط من يد واشنطن.
لقد انتهى استعراض أمريكا للحرب في الخليج الفارسي بمأساةٍ مُرّة. فمن خلال الكشف عن «مشروع الحرية»، حاول ترامب تبرير الانسحاب المُخزي بدعوى العمل الإنساني، لكن الواقع على الأرض فضح زيف ادعاءات واشنطن في أقل من ساعات.
لقد أعلن البنتاغون أنه سيُخرج سفنًا من مضيق هرمز (بدون مرافقة عسكرية، مع تنسيق حركة الملاحة فقط). ما كان رد الفعل؟ قبيل خطاب ترامب، استُهدفت ناقلة نفط على بُعد 78 ميلًا شمال الفجيرة (الإمارات العربية المتحدة). كانت رسالة طهران واضحة لا لبس فيها: سنفرض النظام البحري الجديد في الخليج العربي. البحرية الأمريكية، بدون مظلة دفاعية، عاجزة حتى عن حماية سفينة تجارية.
وبينما كانت واشنطن تتظاهر بالتهديدات الأمنية، أكدت طهران سيطرتها المطلقة بإصدارها أوامر بإجلاء السفن التجارية فوراً من موانئ رأس الخيمة وميناء صقر في الإمارات العربية المتحدة. وبهذا التحذير، مهدت إيران الطريق لاستهداف الأصول العسكرية الأمريكية (رداً على الهجوم المحتمل على جزيرة خارك)، وأظهرت في الوقت نفسه لأبوظبي أن المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن للإمارات ليست سوى وهم.
ما الذي يقف وراء هذا الشلل التاريخي؟ تشير تقارير حديثة (بما فيها تقرير في صحيفة الغارديان) إلى أن وزارة الحرب الأمريكية تعاني من حالة من الفوضى. فقد أدت موجة من عمليات التسريح إلى شلّ البنتاغون، ويرى كبار القادة أن أداء وزير الحرب (بيت هيغسيث) يُهدد تماسك الجيش. فجيشٌ يخوض حرباً أهلية مع نفسه في واشنطن، يكاد يكون من المستحيل عليه الحفاظ على هيمنته البحرية التي تبعد عنه آلاف الأميال.

أترك تعليقاً

التعليقات