ترامب وصرخات السقوط
 

د. مهيوب الحسام

د. مهيوب الحسام / لا ميديا -
ليس من المنطقي لدولة تصف نفسها أو تدعى أنها إمبراطورية أو حتى دولة عظمى أن تولول وتعلي الصرخات في كل اتجاه وتتصرف بكل هلع ورعب وارتجاف تجاه كل من لا يواليها أو يعارض سياستها ويرفض أطماعها الاستعمارية؛ فهذه تصرفات وسلوكيات تدل على فقدان الهيبة وتراجع القوة مع خوف السقوط. وما يقوم به ترامب من تصرفات غير متزنة وغير محسوبة ولا مدروسة لا ولن تجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى كما وعد ناخبيه، ناهيك عن أن يجعلها قوية أو يحافظ على ما تبقى من قوتها أو يجعلها دولة محترمة بين دول العالم، وإنما سيجعلها عديمة الحيلة مرة أخرى.
هذه الصرخات والتهديدات الترامبية التي يرميها يميناً وشمالاً ليست دليل قوة، وإنما دليل ضعف وقلة حيلة، وهي لن تعطي أمريكا ثروات العالم، ولن تمكنها ليس من السباق مع الصين، بل حتى اللحاق بها، ولن يعيد لها هيبة ولا قوة ولا زعامة، فالديون الأمريكية أكثر بكثير مما تقوله وتذيعه وتنشره المؤسسات والأوساط الأمريكية، فهي إضعاف ناتجها القومي، وفرض الرسوم الجمركية تجعل بقية دول العالم تفر من الدولار في تعاملاتها البينية كما يفر الأصحاء من الوباء، وزيادة طباعة الدولار يفقده مزيداً من قيمته ويعزل أمريكا أكثر فأكثر، ويزيد قلق وتوتر حكامها ويدفعهم لمزيد من القرارات الإنقاذية الخاطئة المهلكة.
والفرق بين ماضي أمريكا وحاضرها واضح، ففي الماضي كان العالم يحتاج لأمريكا، وأمريكا لم تكن بحاجة لكثير من دول العالم، بينما اليوم أمريكا بحاجة لدول العالم؛ ولكن كثير من دول العالم ليست بحاجة إليها؛ عدا «دولة» واحدة، هي كيان العدو «الإسرائيلي». ومع أن هذا الكيان المؤقت بحاجة لأمريكا إلا أن العجيب أنه هو من يقودها ويتحكم فيها ويدفعها لمزيد من سياسات الهاوية وإلحاق الضرر البالغ بها؛ الضرر الذي لا يمكن تداركه على المديين القصير والمتوسط ولا يمكن جبره. وترامب الذي يعتقد أنه ذكي هو أغبى من سلفه، وعقيدة «دومرو» اليوم هلوسة ومحاولة لسرقة موارد وثروات العالم، وتولد المزيد من الكره والرفض لأمريكا ونبذها واحتقارها بين الأمم.
ومع استمرار هذا السلوك الأمريكي ونفور ورفض العالم لسلوكها ولها فقد يدفع بها هذا إلى البطش بحلفائها الأثرياء للاستيلاء على ثرواتهم لمحاولة إنقاذ ذاتها من الغرق أو السقوط المحتوم، ليرتد هذا بنتائجه العكسية، فلا إنقاذ يرتجى ولا دولار يحتظى، وستبقى أمريكا موجودة؛ ولكن كقدر ولا تقدير من أحد، وبدولار مرفوض لا يمكن فرضه على العالم، وستزداد نقاط ضعف أمريكا، وفقاعات أصوات التهديد زائلة، والبقاء لقوة الحق وليس لحق القوة. وهذا العام 2026م الذي بدأ ببعض النشوة والصراخ الأمريكي الأجوف يخفي في طياته الكثير على أمريكا لا لها. وهكذا تكون نهاية الإمبراطوريات؛ سنة الله، ولله عاقبة الأمور.

أترك تعليقاً

التعليقات