إيران.. الفوضى والمخاطر الدالة على صوابية النهج الثوري
- محمد القيرعي السبت , 14 فـبـرايـر , 2026 الساعة 6:45:43 PM
- 0 تعليقات

محمد القيرعي / لا ميديا -
إن أي دولة ثورية تنشأ في أي بقعة من العالم، تنشأ بالضرورة كنتاج حتمي -وطبيعي أصلاً- لمكامن الفوضى الناجمة عن دوامة الصراعات الأهلية الداخلية الناشبة والمتوسعة باطراد، واحتدام حدة الصراعات الطبقية المستعصية، في السياقين المجتمعي والوطني ككل، بوصفهما من رواسب وعثرات ومخلفات أنظمة الحكم البائدة، وفي الوقت ذاته نتاج أنشطة قوى الثورة المضادة، التي تستمر ولآجال طوال وفي كثير من الحالات تنخر في بدن الثورة والمجتمع بغية تقويض مسار العملية الثورية وتهديد مكامن السلم والوفاق الأهلي والاجتماعي العودة بعجلة الأحداث الوطنية إلى حواصل الفوضى والتخلف والاستبداد مجدداً.
وما يحدث في إيران منذ قرابة الشهرين -على الصعيد الداخلي تحديداً- ليس استثناء، فهو نتاج نشاط العناصر الانتهازية الرجعية التي تراكمت في غضون سني الثورة، وانعكاس مادي في الوقت ذاته لتلك الظاهرة الارتدادية التي تغذيها نزعات الفوضى والارتزاق للقوى والجماعات المتربصة بالثورة بهدف وأدها وتقويض آمال وتطلعات مريديها.
لكن الأمر الأهم والذي لا ينبغي إغفاله يكمن في حقيقة أن نضال الإيرانيين المحموم اليوم في مواجهة المخاطر والتحديات الداخلية والخارجية، يتمحور أولاً وأخيراً حول مسألة الحفاظ على المكانة التاريخية لثورتهم الوطنية الأم.
فالمخاطر والتهديدات الإقليمية والدولية المحيقة بالجمهورية الإسلامية، ليست جديدة بالقطع. كما أنها ليست وليدة اللحظة؛ بالنظر إلى ضراوة الاستهداف الاجتثاثي المسعور الموجه ضد الثورة الإسلامية منذ تشكل بذورها التكوينية الأولى ونجاحها في العام 1979، وبمستوياته الداخلية والإقليمية والدولية التي لم تتوانَ أطرافها وجلاوزتها عن انتهاج أحط السبل والوسائل الانتهازية للنيل من العظمة الثورية للشعب الإيراني، العظمة التي أعادت للإيرانيين كرامتهم الوطنية المدنسة آنذاك وفي حقب ما قبل الثورة بمستنقعات العمالة والارتهان والتبعية للصهاينة والأمريكان، مثلما أعادت لهم اعتبارهم القومي المفقود في كواليس التآمر الخياني المفضوح من قبل النظام الملكي البائد (نظام الشاه محمد رضا بهلوي) ضد الأمة ومعتقداتها الدينية وأمنها القومي وهويتها العروبية والإسلامية.
وبالتالي لا يمكن فصل الأحداث الداخلية الجارية اليوم في إيران عن مجرى الصراع والمشاريع الاستهدافية الخارجية المسعورة ذاتها، والمعممة على أوسع نطاق ممكن وبصفتها العمومية.
فالأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تواجهها البلاد، وإن كانت تصنف من قبل عديد من الأبواق العدائية الدولية على أنها دليل على إخفاق ثوري محتمل، إلا أنها في الأول والأخير جزء لا يتجزأ من نتائج الحصار التقني والاقتصادي والمعيشي والتنموي والعقوبات الأمريكية والدولية، التي كان قد سبق أصلاً أن تم تعليقها بموجب الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بين إيران ومجموعة (5+1) في 14 يوليو/ تموز 2015 قبل أن يعاد تفعيلها وتطبيقها بصورة عدوانية ومسعورة بغية تركيع الشعب الإيراني ووأد ثورته الوطنية الظافرة.
وأمر كهذا أو نتائج كتلك تعد حتمية وبديهية للغاية وفق المنطق الجدلي ذاته، إذا ما قورنت بتصاعد وتيرة مشاريع الاستهداف العدواني المتنوع والمتواتر والمستمر الذي يستهدف الجمهورية الإسلامية ونظامها الثوري المقاوم، منذ انبلاج فجرها الثوري الظافر في العام 1979 - كما أسلفنا، من قبل الإمبريالية الأنجلوأمريكية صهيونية وحلفائها في النطاقين العربي والإسلامي، والهادف بالدرجة الأساس إلى تجنب بروز قوة إقليمية مهيمنة ومؤثرة كإيران سيشكل وجودها من منظورهم الانهزامي تهديداً أو خطراً وجودياً على أمن «إسرائيل» ككيان دخيل.
إنه الواقع الذي يمكن استشراف آفاقه الإخضاعية بوضوح من خلال الإمعان بموضوعية فاحصة في خبايا الاستهداف التآمري الحالي والمحموم الذي يستهدف الإيرانيين (شعباً وثورة) بغية تقويض نظامهم الثوري والسياسي الصامد، والذي لم يتورع عن استجلاب كل الذرائع المحتملة والمزيفة، بما فيها أحداث إيران الداخلية وأيضاً ملفها النووي الذي يتصدر باكورة تلك الذرائع المسوقة لتبرير السلوك الأنجلوأمريكي صهيوني العدواني، وحشد أساطيله البرية والبحرية والجوية المتموضعة في مياه وقواعد الخليج الفارسي، الذي لم يبخل ملوكه وأمراؤه من جهتهم بتقديم كافة أشكال الدعم والإسناد المادي واللوجستي للدفع بذلك المسار التآمري الدولي المحموم ضد مهد وحاضرة المحور المقاوم (إيران) إلى مصافات أكثر فتكاً وغيلة، إلى حد توظيفهم الانتهازي الوضيع والمشوه للخطاب الديني والمذهبي المعمم والمتماشي مع النهج الانبطاحي لكيانات الخليج الفارسي ومشيخياته المشكلة أصلاً للغرض الخدمي ذاته للتحالف الصهيو أمريكي غربي الاستعماري الممقوت.
في الأخير، يمكنهم حشد كل أساطليهم وأباطيلهم أيضاً، وهذا ما دأبوا عليه أصلاً منذ سبعة وأربعين عاماً من عمر الثورة، فيما النتيجة لا تزال كما هي ماثلة في إخفاقهم الذي لم يفلحوا من خلاله ليس فحسب في الإخلال بتماسك الشعب الإيراني وثورته، وإنما أيضاً حتى في الحد من اندفاعه المحموم والمقاوم الذي تمدد وتوسع ليشمل حيزاً واسعاً ومؤثراً من جغرافيتنا العربية والإسلامية بات يمتد اليوم من أعماق قُم وإيران المستهدفة ذاتها إلى العراق واليمن وصولاً إلى حواف بيت المقدس.
فمتى سيتعين على جلاوزة الغي والعدوان يا ترى والحال هكذا إدراك حقيقة أن صمود الشعوب الحرة والثائرة لا ينبثق من فكرة الاستناد إلى معادلة الأكثرية العددية أو التفوق النوعي، بقدر ما يستند -وهذا هو الأهم- إلى تراث صارم وسامٍ من الإيمان الاستشهادي المدفوع بعدالة وقدسية وسمو القضية الوطنية، كما هو حال كل أطراف المحور المقاوم الذي يستمد إلهامه الكفاحي وديمومته الوجودية من حواصل الثورة الإيرانية الظافرة.










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي