حل «الانتقالي» لا يكفي.. ما لم يتم اجتثاث الورم الإخوانجي
- محمد القيرعي الأثنين , 19 يـنـاير , 2026 الساعة 12:12:01 AM
- 0 تعليقات

محمد القيرعي / لا ميديا -
على ضوء التطورات السياسية والعسكرية والأمنية المتسارعة في محافظات جنوب وجنوب شرق اليمن المستلبة، بما أسفرت عنه من مبادرة مما تبقى من قادة "المجلس الانتقالي الجنوبي" بحل كيانهم العميل.. فيما كثر الحديث بالتوازي أيضا في أوساط رئاسي العليمي الغارق هو الآخر في مستنقع العمالة حتى النخاع.. عن ضرورة محاكمة رموزه الفارين وعلى رأسهم محظية أبناء زايد سيئ الصيت عيدروس الزبيدي، مع أن الأمرين "الحل الصوري والتجريم المرتقب" يعدان مستبعدين وغير واردين البتة من وجهة نظري.. لتعارضهما في المقام الأول مع أهداف وأجندات دول العدوان الرئيسية بشقيهم (الإقليمي والدولي) والهادفة أساسا ومنذ دوي أولى قذائف عدوانهم البربري على شعبنا وبلادنا إلى تفكيك وشرذمة شعبنا وتجزئة بلادنا إلى دويلات وأقاليم متناحرة وبما يخدم تطلعاتهم الاستحواذية والإخضاعية طويلة الأمد.
فـ"الانتقالي" المنحل سيتمخض عنه "انتقالي" آخر وليد أو أكثر على إيقاع الهيمنة الإقليمية والدولية السائدة والمتعددة الأوجه، ما يعني أن الحديث عن الحل الذاتي والمتسرع لـ"الانتقالي" الذي تم على أيدي رموزه، والتجريم المرتقب لباقي قياداته، ليس سوى حديث عابر يندرج في إطار ممارسة الضغط السياسي والكلامي من قبل الرياض وأعوانها في الخارج والداخل أيضا، وبالأخص (رئاسي رشاد العليمي) بهدف خلط الأوراق للحفاظ على مكاسبهم العسكرية المحققة مؤخرا على حساب عيدروس الزبيدي وكيانه الانفصالي الهش والمنحل.
بالنظر إلى تزامن تلك الدعوات والإجراءات بطبيعة الحال مع تحرك دبلوماسي سعودي محموم وواسع النطاق بهدف إعادة ترتيب المشهد والخارطة الجنوبية، ليس على أساس الالتزام بالثوابت الوطنية -كما يزعمون- وإنما بما يخدم المصالح الإخضاعية للرياض ويلبي تطلعاتها الاستعمارية طويلة الأمد في مناطق جنوب وشرق بلادنا المستلبة، خصوصا مع حاجتها القومية والأمنية الاستراتيجية والملحة إلى ممر مائي مستقبلي ثابت يمر عبر بحرنا العربي، وبما يضمن لها ديمومة إمدادات نفطها المباع للخارج بدرجة تمكنها من تجاوز مخاطر الاعتماد على المضائق البحرية الحساسة كمضيقي هرمز وباب المندب في أوقات الأزمات، وبدرجة رئيسية مضيق هرمز المطل على إيران والمسيطر عليه من نظام الثورة الإسلامية هناك المناهض بشدة لبني سلول وأنظمة الحكم المشيخية والهزلية عموما في الخليج الفارسي، بالإضافة إلى سعي الرياض الحثيث أيضا في هذا المنحى لتعزيز حضورها وسيطرتها اللصوصية على حقول النفط الواقعة أغلبها في النطاق الديموغرافي لمحافظتي شبوة وحضرموت المتاخمتين لحدودها الجنوبية مع بلادنا.
ولعل الأمر الأبرز الذي اتضح بجلاء من خلال المسار المسرحي للأحداث الأخيرة هي أنها عكست بالمجمل حدة وضراوة الصراع التنافسي الناشب في الجنوب ما بين شريكي العدوان الرئيسيين «الرياض وأبوظبي»، وهو التنافس الذي بلغ وعلى إيقاع الأحداث الجارية ذاتها منذ أوائل ديسمبر الفائت حد السجال والمواجهة العلنية والمفتوحة على كل الاحتمالات، إلى حد لم تتوان فيه الرياض عن استخدام القوة ضد شريكتها العدوانية «أبوظبي» عبر استهداف سفنها المحملة بالأسلحة والقادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي باتجاه مرتزقتها في "انتقالي الزبيدي" أمام سواحل المكلا، قبل أن يمنوا بهزيمتهم المخزية ويتقهقروا خائبين بخيبة مشروعهم الانفصالي.
وعلى هذا الأساس فإنه لا يمكن بأية حال فصل الأحداث السياسية والعسكرية الأخيرة في حضرموت، والشرق عموما، عن مجرى التباينات المعششة في بنية العلاقات المتوترة بين شريكي العدوان «السعودية والإمارات» بشأن العديد من الملفات التآمرية التي تجمعهما ليس على صعيد بلادنا فحسب، وإنما على مستوى كل بؤر التفتت والاحتراب التي أوقدوها في عالمنا العربي والإسلامي.
والأمر الأهم هو أن تلك الأحداث المتفجرة في الجنوب منذ أوائل ديسمبر الفائت، إنما هي في الواقع نتاج حتمي لما خلفته وتيرة التنافس والاستقطابات الشرسة والمتضادة وشراء الذمم والولاءات التي شهدتها مناطق شبوة وحضرموت بدرجة رئيسية خلال الأعوام الفائتة من عمر العدوان ما بين طرفي العدوان «الرياض وأبوظبي» لكسب ود القوى المحلية في تلك المناطق من مكونات حركية وتجمعات قبلية ومليشاوية.
إذ إنه وفي مقابل قيام أبوظبي بتبني وتمويل مرتزقتها الكثر في "الانتقالي" وغيره من النخب الموازية كالنخب الشبوانية والحضرمية لخلق ثقل مليشياوي مؤثر لخدمة أجندتها التفكيكية الخاصة بالشكل الذي حدث مؤخرا.. فقد سارعت الرياض من جهتها، خلال تلك الفترة ولمجابهة هذا المسعى الإماراتي، بالسير على ذات المنوال عبر قيامها باستقطاب وتأليب العديد من القوى والمكونات الحضرمية التي فشل الزبيدي وأسياده في أبوظبي بتطويعها واختراقها، وعلى رأسها "مجلس حضرموت الوطني"، المشكل بدعم سعودي لوجستي، وهو هيئة تضم شخصيات سياسية وقبلية من المحافظة، كجزء من جهود حضرمية وسعودية مشتركة لاحتواء نفوذ الإمارات وسحلياتها من مهرجي "المجلس الانتقالي الجنوبي".
خلاصة القول، هو أن ما يحدث في عدن والجنوب إجمالا لا يعدو كونه نوعا من تبادل الأدوار في إطار عقد صفقات البيع والشراء الجارية للذمم والأخلاق السياسية الفاسدة على حساب الوحدة والهوية والكرامة والسيادة الوطنية.. بالصورة التي يمكن قياسها بوضوح من خلال الإمعان بموضوعية فاحصة بشذوذ بعض التبدلات الحاصلة في مشهد القوى المهيمنة حاليا في الجنوب وفي عدن بصفة خاصة.. إذا ما قورنت بمزاعم الحل والإقصاء والاجتثاث المعلنة.. منها على سبيل المثال.. ما هو حاصل بالقصر الرئاسي في عدن المسلوبة، والذي يخضع في ظل التبدل الحاصل ومنذ لحظات أفول "الانتقالي" لسيطرة ما تسمى "قوات العمالقة الجنوبية"، والتي تعد أصلا إحدى الأذرع العسكرية والمليشياوية الرئيسية لـ"الانتقالي" وبقيادة بعبع أبوظبي والعضو القيادي المؤسس في "انتقالي الزبيدي"، المدعو عبدالرحمن المحرمي، الذي يشغل في الوقت ذاته عضوية مجلس رشاد الرذيلة، ما يعني في المجمل أن التبدل الحاصل في مشهد القوى الجنوبية ظل ولا يزال حتى اللحظة محصورا بتبدل الوجوه العميلة، وحتى التبدل الحاصل أيضا بالأعلام المرفوعة فوق المقار والمباني الحكومية والمليشياوية والعسكرية التي استبدلت الأعلام الانفصالية بعلم الجمهورية الموحدة، لا يعني بالضرورة حدوث تبدلا جوهريا في صميم المعتقدات السياسية والانفصالية المحمومة بطابعها القومي الشوفيني والمشحونة بكل عوامل الإفك والتطرف والكراهية الطبقية.
في الأخير، وعلى افتراض أنه تم حل "الانتقالي" فعليا، والذي لم يكن يرتقي في الواقع من حيث خطورته وبرغم كل إمكانياته ومقاتليه المخضبين بدولارات النفط الإماراتي إلى مستوى الخطورة الفعلية التي تشكلها على الوطن شلة ضئيلة ومتوارية من مطاوعة الرذيلة في أزقتنا الخلفية، ما يعني أن هذا المسعى الاجتثاثي لا يلغي بالضرورة أو يحد من حجم وضراوة المخاطر المحدقة بسلامة وأمن ومستقبل الشعب اليمني على وجه العموم، لأن البدائل ستظل كما هي ماثلة في بوتقة الشر التاريخي الجاثمة دون فكاك على أنفاس الأمة، والمتمثلة بورم المطاوعة الإخوانجي، الذين انبثقت وتنبثق من حواصلهم باستمرار كل بلاوي اليمن ونكباتها وعثراتها المتوالية، بما فيها وباء "الانتقالي" وأقرانه من نخب العمالة الشبوانية والحضرمية، ووباء العدوان ذاته ومظاهر الفوضى والتشرذم والتفكك القومي والوطني الحاصلة على امتداد ديموغرافيتنا الثكلى، كلها نابتة في الأساس من بذور الشر والرذيلة الإخوانجية التي ينبغي اجتثاثها لتذوي على أثرها كل مآسينا ومحننا المتراكمة.
جربوا حظر تربية اللحي المسربلة، وبادروا إلى حل حزب الإصلاح، وشردوا ومزقوا دعاته ومنظريه وجلاوزته، حاكموهم وأدينوا مجونهم، وجردوهم من القدرة على تقمص الوطنية أو التحدث باسم الشعب الذي أبادوه، والبلد الذي دمروه ومزقوا أوصاله.. احشروهم وأبناءهم وعوائلهم الممسوسة في إحدى البقاع المعزولة والمسورة في أقاصي الربع الخالي أو في إحدى زوايا التاريخ الحالكة والمعتمة بعتمة شرورهم.
جربوا على الأقل هذا المنحى الجذري، والذي ستنتفي على ضوئه حاجتنا لأمثال المبعوث الأممي بن عمر أو المعتوه الوطني بن زعطان، لأن بلادنا وشعبنا وبدون المطاوعة سيتلمسون طريقهم بثقة صوب المستقبل الآمن والمزدهر دون عناء، أقسم على ذلك بدموع أطفال الصفيح وآنات الثكالى السود.










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي