مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
رسّام الملاحم الشعبية.. آخر من حمل الحكاية على طرف الريشة
كان يمشي في الأسواق كأن خطاه تُحدِثُ موسيقى خفيفة، ويتدلّى من يده صندوق خشبي صغير هو في الحقيقة خزنة الأسرار.
وحين يفتح الصندوق، تخرج منه أوراق مقوّاة، تلمع بألوان تشبه دقات قلب الشرق.
لم يكن صاحب مدرسة فنية، بل صاحب ذاكرة. هو آخر من رأيته في سوق الحريقة، من سلسلة عريقة من الرسامين الشعبيين، واقفًا تحت شمس دمشق، يعرض على جدار حجري قديم لوحات ساحرة، كأنها خرجت للتو من مقهى الحكواتي.

الفنّ الذي نبت من قلب الحكاية
هؤلاء الرسّامون لم يتعلّموا في أكاديميات الفن، بل تخرّجوا من المدارس الشفوية؛ من حلقات الحكواتي، ومن دفاتر القصّاصين.
كانوا يرون البطل قبل أن يخطّوا ملامحه، يسمعون صهيل الجواد قبل أن يلوّنوا عينيه.
لذلك اكتسبت لوحاتهم حرارة الرواية، وعمق الأسطورة، وبساطة الأيادي الفقيرة التي لا تقلد أحدًا.

عنترة.. الفارس الذي حطم 
قيود الليل
ما إن تقع عيناك على لوحة لعنترة بن شداد، حتى تشعر بأن الفرس يرفس الهواء، وأن السيف يوشك أن يفلَق لوحة الزمن.
كان الرسام يجعل عنترة بملامح الصخر، وعضلاتٍ كأنها منسوجة من وتر القوس، رافعًا سيفه في مواجهة فرسان الجاهلية.
وإلى جانبه تتربّع عبلة في هودجها، بنظرة لا تكسرها القبائل، ولا الأعراف.. فهو العاشق الذي كسر أغلال العبودية، بسيفه وشاعريته وعشقه.

الزير سالم.. الغضب الملوّن بالنار
لوحات الزير سالم كانت تشبه صدر القصيدة عندما يفيض بالثأر. خطوط حادّة، ألوان دامية، ووجهٌ تشتعل فيه نار الحروب الطويلة. 
جعل الفنّ الشعبي منه شخصية أسطورية، تتجاوز سرد التاريخ إلى تجسيد نفسٍ عربية تبحث عن العدالة، ولو مشت على الجمر.

دليلة والزيبق.. المكر
الذي صار لونًا
في الزوايا الجانبية للوحة، تظهر دليلة بحيلها التي لا تنتهي، والزيبق بخفته ودهائه.
رسّامو الملاحم كانوا يبرعون في رسم اللحظة، تلك التي يتواجه فيها الخداع والشجاعة، وكأن اللوحة مسرح صغير تتحرك فيه الحكايات، بخطوط محدودة، ولكنها مشحونة بالدهشة.

سيف بن ذي يزن.. حين تنهض 
الأسطورة من تحت التراب
لم يكن رسم سيف بن ذي يزن مجرد إعادة نتاج للقصص، بل هو استحضار روح بطلٍ قادم من العجائب اليمنية، خلفه تنبسط الصحارى، وأمامَه تتجاسر المخلوقات السحرية.
كان الرسام يخلط بين الواقعي والغرائبي، فتخرج اللوحة كأنها سرد بصري لكتابٍ قديم فُتح للمرة الأولى.

حمزة البهلوان.. قوة لها ظلّان
حمزة البهلوان، بطل الميادين الشعبية، كان يظهر دائمًا بكتفين كجبلين، وبخطوط متينة، توحي بأن الريشة نفسها ارتجفت أمام قوته.
جلده يلمع كالمعدن، وحزامه يقطر من زخارف الشعوذات الشعبية، وكأن اللوحة تريد أن تقول: هنا يقف رجلٌ في نقطة التقاء بين الواقع والخرافة.

ألوان فاقعة.. 
وتمائم تحرس الذاكرة
كانت الألوان هي سرّ السحر. خليط من المائية والزيتية حسب العصر، تُمدّ على الورق المقوّى، كأن الرسام يبني خيمة من الضوء.
الفاقع منها لا يصرخ، بل يشدو. والنقوش تحيط بالبطل كالهالات، والتمائم تُحيط به كأنها تحرس الأسطورة من النسيان.
ليست هذه لوحات مسطّحة.. بل طبقات فوق طبقات من الوجدان الشعبي.

خاتمة
لم تكن هذه اللوحات مجرد صور؛ كانت جسرًا بين زمنين، ومخزنًا لذاكرة لا تذبل.
وقد حدث أن وقف أمامها نقاد الفن في أوروبا مدهوشين، يتخاطفونها كما تُخطف التحف النادرة.
رأوا فيها فنًا بدائيًا عفويا راقيًا، مشحونًا بصدقٍ لا توفره المدارس ولا المتاحف.
وهكذا كان رسّامو الملاحم الشعبية، رغم تواضع أدواتهم، سفراء للخيال الشعبي العربي بامتياز.

أترك تعليقاً

التعليقات