مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
المحمصاني (صانع المكسرات).. حين كانت النكهات تتكلّم
في الزمن الجميل، لم يكن «المحمصاني» بائعًا فحسب، كان جزءًا من إيقاع الحارة، ورائحةً تعلن حضورها قبل أن يظهر صاحبها.
يكفي أن تمرّ قرب دكانه حتى تشعر أن الهواء نفسه صار أكثر دفئًا.. وكأنّ النار الصغيرة خلف منضدته تمنح الحيّ قلبًا إضافيًا يخفق بالطعوم.

الرائحة أول الحكاية
كان دكانه متواضعًا، ضيّقًا، إلا أن رائحة اللوز والفستق المحمّص، تجعله يبدو كأنه عالم صغير قائم بذاته.
رائحةٌ لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل بخفة، كأنها أصوات خفية تقول لك: اقترب.. هناك شيء طيب ينتظرك.

بين يديه.. يُطهى الصبر
كان يقف أمام مقلاة النحاس الكبيرة، يحرّكها بدورة ثابتة اكتسبتها يداه من خبرة السنين.
لا يستعجل النار، ولا يترك الحبوب بلا رعاية.
كان يعرف توقيت كل شيء: متى يعلو صوت الحمص، ومتى يتغير لون الفستق، ومتى يجب أن تهدأ النار قليلًا كي لا تحترق نكهةٌ تعب عليها النهار كله.
لم يكن يعمل بعين التاجر،.بل بعين الرجل الذي يعرف أن المحمصة ليست «صنعة».. بل مزاجا وذاكرة ووعدا موقوتا.

المكسرات.. ضيوف السهر
لم تكن مائدة السهرات العائلية تكتمل دون صحنٍ ترتاح فيه المكسرات.
الشاي يذهب وحدَه بلا رفقة، أما حين تتناثر حبات الفستق واللوز والقضامة حوله فتصبح السهرة أدفأ، وتتحول الأحاديث العادية إلى حكايات مشوقة تطول.
كان صحن المكسرات علامة رضا.. ودليلا على أن الضيف محل ترحيب، وأن البيت يريد أن يطيل ليلَه قليلًا.
وكم من ضحكةٍ وُلدت فوق طقطقات تلك الحبات الصغيرة حين يختبر الجالسون مهارة أصابعهم في كسر اللوز أو يدور الصحن بينهم كما لو أنه ساعة تقيس حلاوة الزمن.

أمانة الحرفة
المحمصاني في الزمن الجميل كان يعرف زبائنه واحدًا واحدًا.
يتذكر من يحب الفستق المالح، ومن يفضّل البزر الحلبي، ومن يريد «صحنًا صغيرًا.. ولكن ساخنًا توا».
وكان لا يبخل على طفلٍ حائر بقبضة من الحمص الحلو لتنفتح شهيته للفرح.
لم يكن يثقل الميزان، ولا يخذل من لا يحمل معه ثمنًا كاملًا.
كان يعرف أن البركة أوسع من جيبٍ ممتلئ.

مقارنة بلا ضجيج
اليوم تغيّر المشهد. المكسرات معبّأة في أكياس لامعة، مشغولة بآلات صاخبة، موزونة بميزان رقمي لا يعرف رائحة النار.
لكن النكهة.. النكهة التي كانت تولد بين يدي المحمصاني القديم لا تُعاوِد الظهور.
ربما لأن النار كانت تقبس قليلًا من روحه أيضًا.

خاتمة
هكذا كان المحمصاني في الزمن الجميل: رجلًا يجعل من أبسط الحبوب طقسًا صغيرًا للبهجة.
لا يحتاج إلى زخرفة، ولا إلى تشابيه كبيرة، يكفيه أن يحرّك المقلاة، فتتحرك معه ذاكرة كاملة من الألفة، وتنهض في القلب رائحة أيام لا تُنسى.

أترك تعليقاً

التعليقات