«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 127
- مروان ناصح الأثنين , 15 يـونـيـو , 2026 الساعة 7:56:43 PM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
العرضحالجي.. ناسخُ الهموم ومرممُ القلوب على الأرصفة
كان العرضحالجي واحداً من تلك الكائنات التي ينساها المؤرخون، وتحتفظ بها الأرصفة. رجلٌ لا يعرفه الموظفون؛ لكنّه معروفٌ عند كل من جرّب ألماً ولم يجد إلى القانون سبيلاً.
يجلس على باب دائرة حكومية، أو تحت شجرةٍ يتفيأ الناس ظلّها، وعلى طاولةٍ صغيرةٍ مثل قلبه يمدّ أوراقه، كأنّها أجنحة بيضاء تنتظر من يشكو لتطير به نحو حلٍّ ما.
لم يكن مجرّد كاتب عرائض؛ كان حكيمَ الأرصفة، وناسخ الهموم، ومترجمَ وجع الأميين الفقراء إلى لغةٍ تعرفها الدوائر البيروقراطية، لكنّها تنساها في غالب الأحيان.
طاولة صغيرة.. وعالم واسع من البشر
كان "مكتبه الرصيفي" أشبه بمسرح صامت؛ طاولة خشبية فقدت لونها من كثرة تعرضها للشمس، وكرسيٌّ ينحني تحت وزنه كعبدٍ قديم يعرف واجبه.
إلى جواره رزمة أوراقٍ لا تُحفظ في دُرج، بل تُحمَل بين يديه كطفلٍ يخاف عليه من الضياع.
وأمام هذا المنبر المتواضع، تصطفّ قصصٌ لا تُحصى: رجلٌ يطالب برد دينه من شخص نصّاب، امرأةٌ تطالب بالنفقة، آخر يعمل بالأجرة يريد كتاباً يُثبت حقّه، فلاحٌ يشكو جور صاحب الأرض، رجل مسنّ يشكو عقوق الأبناء، شابّ مطلوب للجندية يطلب التأجيل لأنه مُعيل...
كان العرضحالجي يُنصت إليهم، كما يُنصت حكيمٌ إلى بلدٍ كاملٍ من الشكّائين.
الحبر.. وجمرة الحكاية
حين يمسك بالقلم، كان الليلُ يمرّ من رأسه ويخرج نوراً على الورق.
خطّه ليس جميلاً بالضرورة؛ لكنه حيّ، فيه ارتجاف الأصابع، وصدقُ النبرة، ووهجُ الحاجة.
كان يكتب ببطءٍ كأنه يرتّب كلمات القلب قبل كلمات اللغة، ويعيد جُمَل الناس المكسورة في صياغة محفوظة، كأنه يرمّم بيوتاً من ورق.
وإذا قال له صاحب الحاجة: "الله يستر عليك، فهمني يا أستاذ!"، أجابه العرضحالجي بابتسامةٍ هادئة: "أنا لا أفهّم؛ أنا أترجم".
ويترجم أنينهم إلى سطور، وخوفهم إلى عبارات، وبساطتهم إلى لغة تهوّن عليهم وقوفهم الطويل عند أبواب الحكومة.
إسطمبة الإبهام.. التوقيع البشري القديم
لم يكن يحمل ختماً نحاسياً كما يظن من لم يعرفه؛ كان يحمل إسطمبة صغيرة، يبلّلها بالحبر، ويطلب من الزبون أن يضع إبهامه الأيسر عليها.
ثم يبصم في نهاية الورقة كمن يضع قلبه، لا إصبعه.
كان هذا "البصم" هو "توقيع" الأميين، وأراه كثيراً حتى في أيامنا هذه.
وبين إصبعٍ مرتجفٍ من امرأةٍ تبكي، وإبهامٍ خشنٍ لفلاح، وإصبع عاملٍ متسخٍ بالسواد... كانت الحكايات تتراكم أمامه مثل شجرة تنمو من أصابع البشر.
حين يلجأ المثقفون إلى حكيم الأرصفة
الأجمل من ذلك أن المثقفين أنفسهم كانوا يلجؤون إليه!
ليس جهلاً باللغة، بل هرباً من جفافها الخشبي الذي يُستعمَل في المحاكم والدوائر.
كانوا يعرفون أنّ الرجل يحمل "كود" الوجدان في خطاباته، ويعرف الطريق المختصر إلى قلب الموظّف المحنّط.
هكذا صار العرضحالجي يكتب لأهل القلم، وهو حامل "السرتفيكا" القديمة.
مُستودع الأسرار.. ورفيق الأيام الصعبة
لم يكن يسمع الشكوى بصفته موظفاً، بل بصفته إنساناً عرف مرارات الناس من وجوههم قبل كلماتهم.
كان يحفظ أسرارهم في قلبه، ويطلق سراحها في الأوراق.
يشجّع الخجول، ويربّت على كتف اليائس، ويمازح المكسور، ويحوّل العتب إلى جملةٍ قوية، والخجل إلى صياغةٍ تجبر الخاطر.
كان البعض يعودون إليه بعد أيام لا ليكتبوا معروضاً، بل ليشكروه.
وهو يكتفي بابتسامةٍ صغيرة، كمَن يعرف أنه صنع في حياة شخصٍ ما هو أثمن من القروش.
خاتمة:
اختفى العرضحالجي من الشارع مع صعود المعاملات الإلكترونية، ورحلت "مكاتبه" واحداً تلو الآخر، كأنّ المدينة فقدت جزءاً من صوتها الإنساني.
لكن الرجل الذي كان يكتب للناس أحلامهم الصغيرة سيظلّ في الذاكرة، رجلاً يجلس على الرصيف، يمدّ ورقةً بيضاء كنافذة، ويكتب فيها رجاءً صغيراً قد يهزّ قلب "الحجر!
ولقد كان آخر شاعرٍ بلا قصائد، وآخر خطّاطٍ بلا ديوان!










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح