مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الحَجّار.. مُهذِّب الصخر وصانع الصبر
قبل أن يولد البيت، وقبل أن يستقيم الجدار، كان هناك رجل يقف في مواجهة الجبال.
لا يرفع صوته، ولا يستعجل النتيجة. يحاور الصخر، ويطوّعه.
لم يكن الحَجّار قاطع حجارة فحسب، بل مربّي صلابة، يعرف أن ما يُنتزع بالقوة لا يدوم، وأن الحجر لا يلين إلا لمن يفهم طبعه.

المكان.. حيث يبدأ البناء
في أطراف القرى، عند أحضان الجبال أو سفوحها، تولد المهنة.
الأرض قاسية، الغبار أبيض، والأحجار تنتظر مصيرها.
هناك، لا ظلّ إلا ما يصنعه الجسد، ولا موسيقى إلا إيقاع المطرقة على الإزميل.

لغة الإقناع
المطرقة في يد الحَجّار ليست أداة ضرب، بل أداة حوار.
ضربة محسوبة، ثم وقفة قصيرة، ثم ضربة أخرى... كأنها سؤال وجواب.
الإزميل يرسم الخط، والمطرقة تُقنع الحجر أن ينفصل في المكان الصحيح. خطأ واحد قد يهدر جهد ساعات.

قراءة الصخر
الحَجّار يقرأ الحجر كما يقرأ الفلّاح الأرض. يعرف عروقه، اتجاه تكسيره، والموضع الذي إن طُرق انصاع دون غضب.
الصخر عنده ليس مادة صمّاء، بل كائن عنيد يحتاج إلى فهم قبل القوة.

 للبنّاء والنحّات
الحَجّار يقطع الحجر بأحجام مختلفة، لبنّاء يريد جداراً مستقيماً، أو نحّات يبحث عن كتلة تحلم أن تصير وجهاً أو جسداً.
الحجّار يسلّم الحجر نصف حكاية، ويترك للنحّات إكمال الكلام.

فضيلة ثقيلة
العمل في الحجر لا يحب المتعجلين.
الشمس تلسع، والغبار يثقل الرئة، والجسد يتعلّم الاحتمال.
لكن الحجّار يعرف أن كل حجر يُسوّى هو درس في الصبر، وأن البيوت لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالاستمرار.

العلاقة مع الناس
يعرفه أهل القرية بصمته أولاً.
يأتونه ليطلبوا حجارة لبناء بيت، أو ترميم جدار، أو نقش قبر.
هو حاضر في الأفراح والغياب، يبني مأوى للحياة، ويهيئ موضعاً للذكرى.

* مع الزمن
بتغيّر الأدوات، ودخول الآلات، خفّ صوت المطرقة؛ لكن بقيت الحكمة.
فحتى اليوم، ما تزال بعض الأحجار ترفض أن تُقطع إلا بيد تعرف كيف تُصغي.

خاتمة:
الحجّار رجل لا يترك أثره في الكلام، بل في الجدران التي تصمد، وفي المنحوتات التي تبقى.
في الزمن الجميل، كان الصخر يخرج من الجبل أكثر تهذيباً، لأن يداً صبورة علّمته كيف يخدم الإنسان.

أترك تعليقاً

التعليقات