امسحوهُ معي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما هذا؟ أوجاعٌ تقتاتُ ذكرياتِها؛ ومحضرٌ تضمنَ اعترافاتِ حامل راية في زمن الجفاف!
قيل له: فيم البكاء؟ وعلام الشكوى؟ ولم التوجع؟ فأجاب: لقد حُقَ لمثلي أن يموت كمداً! انظروا أين كنتم؛ وكيف صرتم! لقد كنا شعلة من النور والحيوية والرحمة والعدالة.
خرجنا من صمت القبور ونحن نجرّ وراءنا مآسيَ وخيباتِ ونكسات وعذابات وجوع قرون. قلنا: كفى.
كفى لعاصمةٍ تأكل أبناءها ولا تشبع، تشرب أنهار الأطراف وتظمأ أكثر.
جلسنا في «بيت العهد» وكتبنا على الماء: لا سيد، لا تابع. لا ثوب يُفصّل على مقاس واحد.
ولما ألقوا إلينا ثوب مَن باد لم نبصق عليه، بل لبسناه؛ بعد أن قمنا بإعادة تصميمه ليتناسب وأجسادنا. وقلنا: هذا كفن الحالمين، ولا ثوب للحاكمية سواه؛ فلبسناه على أنقاض الحلم؛ مستخفين بكل تلك النجوم التي أفنت وجودها اشتعالاً على طريق الفجر.
ثم كان «يوم الدخول».
ومن يومها والريح لا تهدأ.
ريح من كل الجهات تقول: احرقوا كل شيء كي لا يحترق شيء.
فأطفأنا بأيدينا قناديلنا الصغيرة. قلنا: العاصفة ستكسرها.
ولم نرَ أننا نحن من نفخنا فيها حتى انطفأت.
كنا نهتف في السفح: افتحوا الأبواب.
فلما بلغنا القمة، وملكنا القلعة صرخنا: أغلقوا الأبواب.
الذي سأل عن الخبز صار خنجراً يصوب طعنةً في ظهورنا.
والذي بكى على خيانة الشهداء؛ صار متهماً بالخيانة.
والذي قال: «تذكروا الوصية» قيل له: اخرس. للجدران آذان وللريح عيون.
وا حسرتاه! حاربنا المركز الذي يبتلع فصار لنا مركز يبتلعنا.
وعدنا الناس بوطن يتسع للكل، فصنعنا وطناً لا يتسع إلا لظلنا.
وعدناهم بكلمة لا يُقتل صاحبها، فصرنا نقتل الكلمة قبل صاحبها.
أقسم بدماء من سقطوا على الطريق:
ما كتبت هذا لأرمي الراية.
كتبته لأني ما زلت أشم رائحة البارود على كفيّ وأخاف أن تتحول إلى رائحة رماد.
المصباح لم يُوقد لينير وجهاً واحداً على العرش.
أُوقد ليهتك ظلام بيتٍ في آخر الوادي، ليرى الأعمى طريقه، ليعرف الجائع أن له حقاً.
فإن انتصرنا على الريح وخسرنا البيوت... فعلى من انتصرنا؟
رفاقَ الجهاد في سوح الحرية والاستقلال والسيادة:
لا أطلب أن نخلع الدرع.
أطلب أن ننزع عنه الصدأ.
لا أطلب أن نستسلم أمام أعدائنا.
أطلب ألا نستسلم لأنفسنا.
الراية ما زالت في يدي.
لكن الزجاج متسخ.
امسحوه معي.
قبل أن يطل الفجر فلا يجد فينا من يصدق الضوء.

أترك تعليقاً

التعليقات