مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
السكاكيني.. سيّد الحديد وحارس الحكايات
قبل أن تُصبح الشفرات منتجات صامتة على رفوف المتاجر، كان لها صانع يعرف مزاجها، ومصلح يعيد إليها روحها، وبائع يزرع فيها ذاكرة.
كان هناك رجل يؤمن أن الحديد مثل الإنسان.. يتعب، يضعف، ويحتاج يدًا تُعيد إليه الحياة.
ذلك هو السكاكيني.. القلب الثابت أمام شرارة النار، والعين التي ترى ما وراء الحد، والأذن التي تُصغي لصوت الشفرة حين تغني وهي تُصقل.

الورشة.. بيت النار والضوء
ورشته صغيرة، لكنها كبيرة بما فيها من حياة.
رائحة الحديد تمتزج بزيت الآلات والجلد المعتّق برائحة السنين.
كل قطعة تُقاس هنا بميزان العين، وبنبض الإصبع، وبضربة مطرقة لا تزيد ولا تنقص.
في هذا المكان لا يُسرعن الزمن.. فالحديد يعرف أن الجمال يحتاج انتظارًا طويلًا قبل أن يولد.

الشفرات.. حسب حاجة اليد وقلب صاحبها
يصنع السكاكيني سكاكين للبيت، وللصيد، وللزراعة.. لا يضع حدًّا إلا وهو يفكر في يدٍ ستحمله، وطعام سيُقطّع، وعمر سيطول معه.
يعرف أي مقبض يليق باليد، وأي حدة تكفي دون أن تُؤذي.
ولا يغادر شيء ورشته قبل أن يباركه بنظرة رضا ويقول: "اشترِ ما يحرس يدك.. فالسكين شريك، لا مجرد أداة".
وكأنه لا يبيع معدنًا، بل يسلّم قصة جاهزة للعيش.

الإصلاح.. إعادة الروح إلى الحديد
أما حين تأتيه السكاكين القديمة المتعبة، فهو لا يبدأ بالحد.. بل يبدأ بالاستماع.
يستمع لصوت الاحتكاك، لخشونة الحد، لشكوى الحديد الصامتة.
يعرف كيف يعيد إلى الشفرة حياتها، وكيف يوقظ القوة التي نامت في داخلها.
على ظهور بعض الشفرات تاريخ طويل، من مطابخ وأيدٍ وأيام..
وهو يحترم هذا التاريخ، ويعيدها إلى الحياة، كما تُعاد ذاكرة حنون من الغبار.

البائع.. حكواتي الحي
حين يبيع، لا يذكر السعر أولًا.. بل يروي القصة. "هذه سكين أم سارة.. مضت عشرون سنة وما تزال تطبخ بها".
"وهذه كانت لحداد رحل وبقيت شاهدة عليه".
فالحي كله يسمع.. لا ثمن القطعة فقط، بل سيرتها، وأمانتها، وعمرها الطويل.
معه لا تشتري سكينًا.. بل تشتري حياةً لها تاريخ.

الأطفال.. دهشة العيون الصغيرة
يقف الأطفال عند باب ورشته بعيون تلمع كالحديد.
يحلمون بالقوة، بخفة اليد، بشجاعة النار وهي تُروض الحديد. ولا أحد يقترب من السكاكين..
فالسكاكيني يراقب بعين الأب الحنون الحذر في آن واحد، بينما يحكي لهم بصوته الهادئ قصص المعادن، والحدود، والأيدي التي تعلّمت كيف تصنع الحياة من معدن بارد.

حين يغني الحديد
في لحظات الهدوء يجلس قرب النار، ويترك المطرقة تغني على السندان.
نغمات ليست على ورق.. بل على قلب الحديد.
أصوات تُعلّم الصبر، وتُعلّم أن الحياة تُصقل كما تُصقل الشفرة: ضربة ضربة.. حتى تلمع.

حين تغيّر الزمن
ثم جاء زمن السرعة.. سكاكين جاهزة بلا روح، وحديد بلا ذاكرة، وأطفال بلا حكاية يتعلّمون منها معنى الصنعة واليد.
رحل السكاكيني، وبقيت ورشته شاهدًا صامتًا، تركت وراءها ما هو أكبر من الحديد.. تركت قصة، وروح حرفة، وذاكرة حيّ، كان يعرف أن الأشياء تعيش بقدر ما نضع فيها من حب.

خاتمة.. بقايا الضوء في معدن بارد
رحلت الورش الصغيرة.. وصار الحديد مجرد أداة بلا ملامح.
لكن الذين عرفوا السكاكيني، يعرفون أن لكل قطعة روح صانعها، ودفء حارته، وصوت زمنٍ جميل كان فيه العمل حكاية حياة.
ذلك الزمن لا يموت.. بل يظل يتلألأ حتى في معدنٍ بارد.

أترك تعليقاً

التعليقات