ما بين منظري الماركسية والإسلام..أين تكمن الهوة في المنطق والمصداقية؟!
- محمد القيرعي الأثنين , 27 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:11:33 AM
- 0 تعليقات

محمد القيرعـي / لا ميديا -
في أطروحته الحادية عشرة عن فيورباخ، أشار الرفيق المعلم كارل ماركس بقوله: “لم يقم الفلاسفة سوى بتفسير العالم بطرق وأشكال مختلفة، لكن المهم يبقى في كيفية تغييره”.
وهنا، لو أردنا التحدث، باختصار، ومن باب المقارنة الجدلية لا أكثر، عن مغزى استدلالي بهذه المقولة، وهذا الموقف الماركسي الثوري التاريخي، لاستخلصنا من ثناياه الكيفية التي تمكن من خلالها هذا القائد الفذ كارل ماركس كمفكر ثوري وكفيلسوف شغوف بالحرية والعدالة الإنسانية، وفي سياق دفاعه اللامتناهي عن قضايا العمال والطبقات الاجتماعية الدنيا والمهمشة، من تشخيص علل ومساوئ الرأسمالية المتوحشة بكل ما تحويه من ظلم وفساد ونظم اجتماعية، ذات أنماط أبوية تراتبية فوقية موغلة في الغي والتسلط والوحشية.. إلخ.
وصولا إلى نجاحه في نهاية المطاف، ومن خلال رؤاه وتصوراته الفلسفية والجدلية تلك، إلى بعث الحياة في روح بعض القوى والطبقات الاجتماعية الرثة والمفككة والمغيبة وغير المنظمة أصلا في قالب طبقي واجتماعي موحد، مانحا إياها مسماها التاريخي الحالي "الطبقة العاملة"، ومحولا إياها، في الوقت ذاته، من قوى اجتماعية رثة ومغيبة إلى طبقة اجتماعية ثورية طموحة لا تتمتع فحسب بكل شروط وجودها وتطورها التاريخي المحدد وفق ديناميكية قوانين التطور المادي الجدلي "علم الصيرورة"، بقدر ما مكنها في الوقت ذاته من اكتساب القدرة الفعلية لتغيير سبل وقوانين الحياة الجامدة والمتبلدة من حولها، ومن ثم التحكم المستقبلي الذاتي والمثمر بطرق عيشها وتطورها الحتمي.
باختصار، لقد منح كارل ماركس العمال هويتهم الطبقية والحركية المثلى والمستدامة، وكذلك إلهامه الكافي للإلمام بطبيعة مهامهم التاريخية القصوى كـ"طبقة ثورية" ستصبح مناطة، وبعد ما ينوف بقليل على عقدين زمنيين فقط على رحيله عن عالمنا، إذا ما استثنينا "كومونة باريس" التي نشبت قبيل وفاته باثني عشر عاماً بوصفها أول ثورة اجتماعية في تاريخ الكفاح البروليتاري العالمي ذات طابع اشتراكي عمالي بحت عام 1871، منطلقة من حجم الأثر الإيجابي الهائل الذي ولدته اطروحاته الجدلية، بتقرير مصائرها بنفسها عبر سلسلة من الثورات التي عصفت بدول غرب وشرق أوروبا؛ وتحديدا ألمانيا وروسيا القيصريتين أوائل القرن العشرين.
نحن أيضا بدورنا "معشر العرب العاربة" كان لنا منظرونا وفلاسفتنا التاريخيون الأوائل؛ وعلى رأسهم نبينا الكريم محمد بن عبدالله (ص)، الذي أطل علينا وعلى البشرية جمعاء قبل ما ينوف على الأربعة عشر قرنا زمنيا ونصف، مبشرا برسالة سماوية جاءت هي الأخرى أيضا على شكل فلسفة لاهوتية تحررية، كانت مكرسة في الإجمال لإعتاق الإنسانية من حولها من قيود الجهل والرق والتخلف والاستبداد والعبودية الممنهجة (عبودية البشر، وعبودية الذات والملذات).
وعلى عكس كارل ماركس، فإن الرسول الكريم محمد بن عبدالله لم يرحل عن عالمنا إلا بعد أن تمكن من نشر وبسط رسالته وفلسفته التحررية تلك (دين الاسلام)، مُشيّدا أسس دولته الحداثية والدينية آنذاك (دولة الخلافة) التي اتسمت دون مواربة خلال عهده القصير جداً وعهد خلفائه القلائل أيضاً من بعده بأرقى أشكال ومعايير العدالة والمساواة الإنسانية التي لا يمكن دحضها، كما توحي بذلك العديد من الشواهد والمآثر والمرويات التاريخية.
وفيما لم تتعد فترة اختمار العزائم والإرادات الثورية لقوى الشغيلة الماركسية مرحلة العقدين الزمنيين تقريبا في أعقاب رحيل مبشرها الفلسفي الأول كارل ماركس الذي توارى في الرابع عشر من مارس العام 1883م، قبل أن تبدأ أولى البوادر والمؤشرات الحركية والجماهيرية التحررية الجادة والمنظمة للطبقات العمالية الثورية في شمال وغرب ووسط وشرق أوروبا إجمالا في البروز على أرض الواقع العملي بقيادة أتباعه ومريديه المخلصين، أمثال الرفيق القائد فلاديمير لينين، والرفيقين الشهيدين روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبخنت، وليون تروتسكي، وليف كامنيف، وبيلخانوف، وزينوفيف، والعشرات غيرهم من المؤمنين والمبشرين الثوريين بعلومه الفلسفية "علم الاجتماع السياسي والاقتصادي" ممن لا يتسع المجال هنا لذكرهم، والذين نجحوا -وعبر إخلاصهم المبدئي لتطلعاتهم الثورية ووفائهم لقيمهم الموروثة من حواصل الفكر الاشتراكي العلمي، وإيمانهم البديهي باحتياجات الخلاص التحررية الملحة التي تنتاب شعوبهم وطبقاتهم العمالية والمهمشة- في استنهاض حركة كفاح طبقي -سياسي -جماهيري -ثوري عارمة وواسعة النطاق بدءاً بثورة العام 1905م في روسيا إلى كفاح عصبة "سبارتاكوس" والاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا، وصولا إلى مرحلة الظفر الثوري الذي تكلل العام 1917م بنجاح ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا، والتي تمكنت آنذاك -وكأداة ثورية عمالية رائدة- من تعميم تجربتها الثورية على كامل النطاق الديمغرافي لدول وشعوب شرق القارة الأوروبية وأجزاء أخرى واسعة من قارات آسيا وأمريكا وأفريقيا، وصولا حتى إلى شطرنا اليمني الجنوبي (ما قبل الوحدة)، في مشهد سريالي عكس مدى القدرة التي مكنت الطبقة العاملة، المسترشدة بتعاليم ماركس، من الانتقال من واقعها التاريخي المزري والمغيب إلى امتطاء باكورة الأحداث والتحولات العالمية، بالنظر إلى حجم التغييرات الجذرية والهائلة التي احدثتها كـ"طبقة ثورية" في بنيان الفكر والعلاقات الإنسانية الموروثة والمشوهة بصورة لا تزال قائمة وراسخة منذ اثني عشر قرنا زمنيا ونيف.
في المقابل، كانت فترة العقدين التي احتاجها الماركسيون لشحذ هممهم الثورية موازية على وجه التقريب للفترة الزمنية ذاتها التي احتاجها أتباع النبي الكريم محمد (ص) المفترضون لهدم وتقويض كل أسس ودعائم دولة الحداثة والعدالة الدينية التي شيدها بدماء وتضحيات الرعيل الأول من أتباعه ومواليه، والتي انهارت وتقوضت بعد ما ينوف بقليل على العقدين الزمنيين تقريبا على نشأتها الأولى كـ"دولة خلافة"، وذلك على أيدي لصوص الفضيلة من مدعي التقوى الدينية الزائفة، المنحدرين من حواصل الشوفينية الأموية الذين يشكلون بحد ذاتهم الجذور التكوينية لفكر "الإرهاب التصوفي" المعمم اليوم وبقوة على إيقاع الدعوات والتناحرات الانقسامية والعصبية الشوفينية بأنماطها السلالية والفئوية والمذهبية.
وبالقدر الذي نجح فيه المبشرون الثوريون للماركسية خلال فترة زمنية وجيزة في تعميم سبل ومظاهر العدالة والمساواة الطبقية والإنسانية على امتداد نصف الكرة الأرضية، قبل أن يتفرغوا لاستعمار الفضاء بدءاً من الطيار ورائد الفضاء السوفييتي يوري جاجارين في خمسينيات القرن العشرين وصولا إلى الاستيطان الفضائي الدائم عبر مشروع محطة "مير" وغيرها، فإن دعاتنا البواسل من وعاظ ومبشرين وعلماء دين وعصابات ملتحية لم يفتأوا خلال الأربعة عشر قرنا الفائتة ينظروننا حول موانع وموجبات الجماع الشرعي، علاوة على الإرهاب الديني الدموي الذي عمموه وباسم الجهاد المقدس على أوسع نطاق عالمي ممكن كأحد وجوه ومظاهر الحداثة الدعوية والدينية للإسلام، لدرجة بات معها أن القتل بحد ذاته والمرتكب كفعل دموي وإجرامي بصيغة وحشية ومجردة من أية سمات إنسانية، يرمز إلينا كأمة ويحمل إرثنا وبصماتنا الدينية حتى وإن كان فعلا جرميا مافيويا صرفا.
بعد هذا، هل منكم من لا يزال يا ترى يعتبرني ضالا ومضللا، حين قررت ومنذ سني حياتي المبكرة العيش والتفكير والتصرف كعقائدي ماركسي ومبشر ثوري بعلم الاجتماع السياسي والاقتصادي، عوضا عن عيش حياتي كمختل إرهابي بلحية مسربلة وهوية دينية ممقوتة وإرثاً مذموماً.










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي