مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
الجمّال.. راعي الإبل ودليل صحراء الأصيل
في زمن مضى، حين كانت الإبل قوافل الحياة، وحين كانت الصحراء دفتر الأسرار المفتوح، بين الإنسان والحيوان والريح، كان "الجمّال" يمشي على الرمل كما يمشي الدعاء في الصدور: هادئاً، واثقاً، لا يضيع طريقه.
لم يكن مجرّد راعٍ للإبل، بل كان شاعر الرمال، وحارس الحداء، وأمين الرحلة الطويلة، ومعلّم الصبر لكل من سار تحت شمس لا ترحم في البوادي الشاسعة.

بين السنام والنجم
يقف الجمّال عند إبِلِه كما يقف العاشق في حضرة المحبوب، يعرف تضاريس أجسادها كما يعرف تضاريس روحه.
يقرأ في السنام حكاية التعب، وفي العين رسالة العطش، وفي الخُطوة نداء الراحة.
بينه وبينها لغة لا تُنطق، حوار صامت تصوغه النظرات، وتختمه الثقة، وتباركه الأيام.

حادي العيس والأمل
لم يكن الجمّال تابعاً للطريق، بل كان صاحبه.
يقود القوافل كالقائد مع جنده، موزّعاً الإيقاع، ضابطاً النفس، حافظاً توازن المسير بين العجلة والتؤدة.
كل خطوة كانت حساباً، وكل وقفة حكمة، كأن الصحراء نفسها تسير على إيقاع عصاه وصوته.

قارئ ألغاز الطبيعة
كان الجمّال كتاباً مفتوحاً للطبيعة.
يقرأ النجوم كما تُقرأ القصائد، ويفهم الريح كما تُفهم النوايا، ويصغي للرمال كما يُصغى للأسرار.
يعرف متى يغضب الأفق، ومتى يبتسم الطريق، ومتى يلوح الماء من بعيد...
كانت الأرض والسماء والإبل لغة واحدة. وكان هو ترجمانها الأمين.

حكيم القوافل
حين تهبط الليالي بثقلها، وتتلألأ النجوم فوق الخيام، يتحوّل الجمّال إلى راوٍ عتيق. يحكي حكايات الأسلاف، وأسفار القوافل، وأسرار الدروب، وطبائع الإبل.
كان مدرسة متنقلة، وذاكرة حيّة، ورفيقاً يبدّد الوحشة القصيدة والضحكة والحكمة.

صبر وعزيمة
صبر الجمّال كان امتداداً لصبر الرمال، لا ينفد ولا يتكسّر.
يتحمّل لهيب القيظ، ولسعة البرد، ووحشة المسافات، دون أن يشتكي.
كان قلبه مظلّة للإبل، ودرعاً للركّاب، وسنداً للطريق حين يطول.

بين الأمس واليوم
مع تغيّر الأزمنة، وظهور المركبات، وتراجع القوافل، تراجعت خطوات الجمّال عن المشهد.
غير أنّ صورته لم تغب. بقيت في الحكايات، وفي أمثال العرب، وفي ذاكرة الصحراء التي لا تنسى أبناءها.

رحلة لا تُنسى
كان الجمّال رمزاً للصبر، وللأمانة، وللمعرفة الفطرية، وللانسجام مع الطبيعة.
صورته محفورة في الذاكرة كما يُحفَر الأثر في الرمل، كأنفاس الريح، وحفيف الكثبان، وهمس أخفاف الإبل عند الفجر.

خاتمة:
لم يكن الجمّال راعياً وسائقاً وحادياً فحسب، بل كان حارساً للحياة البدوية، وجسراً بين الإنسان والصحراء، وصلة بين الماضي والحاضر.
كانت الإبل ترافقه بثقة، وكان الطريق صديقه، وكانت النجوم شهوده.
رحل الجمّال عن الطرقات؛ لكنه بقي في القلوب، وفي بعض الأغنيات التي ما زالت تُسمع بين الحين والآخر: "يا حادي العيس في ترحالك الأجلُ..."!!
إنها حكاية صبر، ودرس وفاء، ونبض خالد في حكايا الصحراء لا يغيب.

أترك تعليقاً

التعليقات