مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
القنواتي.. حارس الماء في الأحياء القديمة
رجل يعرف أسرار البيوت.
في زمن كانت فيه البيوت تتنفس بهدوء، وتنام الشوارع على وقع الخطى، كان لكل حيٍّ رجلٌ يحفظ خرائطه الخفية: أنابيب تحت الجدران، ومجارٍ تسير في العتمة، وقصصاً يرويها الماء وحده.
ذلك هو القنواتي، حارس السرّ الجاري في العروق الحجرية للبيوت.

حقيبة تشبه سيرة عمر
يأتي حاملاً حقيبته الجلدية، مشروخة الزوايا، مطرزة بآثار العَرَق والتراب.
فيها مفاتيح، مطارق، وأنابيب صغيرة، وفيها أيضاً: سنوات من الصبر، تجارب من الفشل والنجاح، وحكايات لم تُكتب.
كانت حقيبته دفتره وأدواته ولغته.

حين يطمئن الباب قبل الأنابيب
يطرق الباب بخفة، كأنه لا يريد إزعاج الجدران المتعبة.
ثم يقول: "لا تقلقوا.. سنصلح الأمر".
فتسترخي الأبواب، وتبتسم النوافذ، وتعرف البيوت أن طبيبها قد وصل.
قبل أن يلمس الحديد، كان يلمس القلوب.

الإصغاء إلى نبض الماء
يجلس القنواتي قرب العطب. ينحني كما ينحني المصلّي، ويصغي.
يسمع للماء أنيناً خافتاً، وخشخشة ضيق، وتنهيدة اختناق.
يعرف من الصوت ما لا تقوله العيون؛ هنا انسداد، وهنا كسر، وهنا تعب قديم.
كان يقرأ الماء كما يُقرأ كتاب مفتوح.

الطين والعرق والكرامة
يغوص في العتمة، وفي الروائح الثقيلة، وفي بقايا السنين المتراكمة.
تلتصق يداه بالطين، ويختلط العرق بالماء؛ لكن وجهه يبقى مضيئاً بالرضا.
لم يكن يرى في التعب إهانة، بل وساماً صامتاً على صدر الكرامة.

لحظة عودة الحياة
ثم.. تحدث المعجزة الصغيرة.
ينساب الماء من جديد، صافياً، مطمئناً، كأنه عاد من رحلة طويلة.
تصفق الصنابير فرحاً، وتتنفس الأحواض، وتبتسم الأمهات، ويضحك الأطفال لأن الحياة عادت إلى مسارها.
وكان هو يقف جانباً، مثل صانع الفرح المجهول.

شاهد الأزمنة الصامت
عرف القنواتي أسرار الحي دون سؤال؛ من بكاء الأنابيب، ومن فيضان المفاجآت، ومن صمت البيوت الطويل.
شهد أفراحاً، وانكسارات، ورحيل وجوه، وقدوم وجوه.
مرّت الأعمار في مجاري الماء، وبقي هو واقفاً في المنتصف.

حين غابت الوجوه وجاءت الأرقام
رحل القنواتي، وجاءت الشركات، والفواتير، والأصوات المسجلة.
صار العطب "ملفاً"، والشكوى "رقماً"، والزيارة "موعداً مؤجلاً، وغاب الدفء الذي لا تُنتجه الآلات.

خاتمة: ما يبقى في الذاكرة
سيبقى القنواتي صورة لرجلٍ خدم الحياة بصمت، وأصلح العالم من تحت أقدام الناس، دون أن يرفع صوته.
علّمنا أن الماء حياة، وأن من يصونه يصون حياة البشر.

أترك تعليقاً

التعليقات