لهذا استحقوا المقت
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ثمة ظاهرةٌ مأساوية تبعث على الفزع، وتفتح بوابات الفواجع والنكسات والخيبات. ظاهرةٌ مصدرها النفاق؛ وأولويتها التجريم لكل صوتٍ نادى بإحقاق حق، وإقامة عدل، وتصحيحٍ لخطأ، وتجفيف لمنابع فساد، وتصويبٍ لفكرة، ودفع نحو ارتقاء عملي بما يعود علينا بالقوة المطلوب وجودها لبناء واقع حضاري متميز؛ واقع كل ما فيه علامة على وجود نهضة شاملة، لها آثارها ونتائجها العظيمة التي تنعكس على كل شيء.
هذه الظاهرة هي ظاهرة (التطبيل) التي تنكر السلبيات، وتدافع عن مرتكبي الأخطاء والتجاوزات، وتبرر للعجز والفشل، وتحمي حمى الظلم والظالمين. ولعل أهم ما يقوم به رواد هذه الظاهرة اليوم هو: التسقيط للأحرار، وذلك بجعل كل ما يقدمونه من آراء نقدية شاهداً على خيانتهم وعمالتهم للأعداء.
إن المطبلين والأبواق عادة جهلة قساة سفهاء، ولهذا يكثر على أيديهم الهدم؛ لأنهم لا يدركون بأن وجود النهج والقائد والمجاهدين والمجتمع الواعي القابل للتربية والتثقيف والإعداد والبناء، إلى جانب وضوح الخط، وسلامة الوجهة، ومعرفة الغاية والهدف؛ أمورٌ لمسنا ونلمس آثارها المباركة في واقعنا، ولكن إذا أردنا أن يعم خيرها المجتمع كله، ولربما الأمة والعالم؛ علينا التخلص من الفساد والفاسدين المفسدين في كل مؤسسات الدولة وقطاعاتها، وإزاحة مَن طال عليهم الأمد في ظل المنصب فقست قلوبهم، وانتفخت جيوبهم، واتسعت أرصدتهم، وكثرت عماراتهم وتجاراتهم وعقاراتهم، وخوت عقولهم، وخارت قواهم، وضعفت هممهم، وتغيرت وتبدلت همومهم واهتماماتهم، عنجهيين إذا ما نطقوا، متكبرين إذا مشوا، ظالمين إذا ما حكموا، متجبرين إذا تحكموا، كثيري الإساءة للقائد والنهج والشعب والمجاهدين، قاصرين ومقصرين في ما كان، فكيف بهم في الحاضر والمستقبل؟!
لقد لقي التطبيل وأهله رعاية واهتماما من قبل قوم لا هم لهم سوى الظهور بمظهر الصلاح والاستقامة وهم كثر. إنهم الصانعون لأنفسهم حداً لا يتجاوزونه، والواقفون على تل الصدفة والحظ الذي لا يقدرون على النزول منه أبداً، لكونهم ألفوا المديح والإطراء، وأدمنوا الحضور والمشاركة في كل الأشياء، فلا يريدون سماع سوى أصواتهم، ولا يرغبون اتخاذ الجماهير مورداً فكرياً وفنياً وأدبياً وثقافياً لم يخرج من تحت عباءتهم، ولم يلتزم طريقة تفكيرهم وأساليبهم في الحياة، وكأن الثورة عقيمة لم تنجب أحداً غيرهم! بل كأن اليمن عجز عن الإتيان بأمثالهم، ناهيك عن الإتيان بمَن يفوقونهم وعياً وثقافةً وحلماً وحكمةً وعلماً واتزاناً، وقدرةً على هضم المشروع، والعمل بمقتضاه!
إن مقتنا لهذا الصنف نابع عن حرص حقيقي على الثورة ومشروعها؛ ولا نبالغ إن قلنا: هذا الصنف هو العدو الأخطر والأشد خبثاً وإجراماً ودماراً وبغياً وطغياناً وفساداً من العدو الظاهري، لأنه يسعى للقضاء على الحق بأدواته وطقوسه ومعانيه وشعاراته، ولكن بعد أن يمسخها من الداخل، ويعطل مضامينها وإيحاءاتها، ويفرغها من كل ما من شأنه أن يجعل الناس يعيشون الحرية المسؤولة، التي تكون العبودية لله أساسها ومنطلقها، وقطبها ومحورها، ويدفعهم لتحقيق التوازن بين المعاش والمعاد، بحيث تصبح الدنيا مزرعةً للآخرة، ويحقق لهم النمو والتكامل والسمو الروحي والفكري، ويعزز فيهم الحس الاجتماعي، ويزرع فيهم القدرة على قول الحق، والوقوف بوجه الباطل والظلم، والاحتجاج على كل محاولات الزيغ والتحريف والانحراف، والاستعداد لبذل الروح والمال والأهل والولد في سبيل كل شيء فيه مرضاةٌ لله سبحانه وتعالى، ليصبح الجميع بعد هذا المسخ والتعطيل والمحو والتحريف والتزييف؛ يدينون بالطاعة العمياء لكل مدعٍ لصيق طليق، لبس لبوس الحق على نفس خبيثة معجونة بالكفر والنفاق والفساد والشر والاستكبار.
لقد عمل هؤلاء على تغييب رجالٍ لزموا المشروع القرآني، واقتفوا أثر قرنائه، فهم القريبون من الحسين البدر رضوان الله عليه، قربَ الحر بن يزيد الرياحي من حسين الطف عليه السلام، وهو قربٌ لا يقاس بالمدة الزمنية التي قطعها المنتمي إلى هذا الخط الحسيني، ولا بحجم ما لديه من العلوم والمعارف المعبرة عن هذا الخط، ولا بمستوى العلاقة والقرابة النسبية والجغرافية والاجتماعية؛ وإنما تقاس بمقدار ما لدى المنتمي من قابليات واستعدادات فطرية تؤهله لحمل راية الحق، والفناء في سبيل بقائها عاليةً خفاقة، أول تلك الاستعدادات والقابليات؛ حرية الإرادة، والقدرة على الاختيار الواعي، والتمييز بين الحق والباطل، والقدرة على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت والظرف المناسبين، فلا يحجم عند الإقدام، ولا يتردد حينما يجب البذل والتضحية بالنفس والمكانة والمال والمنصب في سبيل الله، وضمان سلامة الناس في حاضرهم ومستقبلهم ومصيرهم.

أترك تعليقاً

التعليقات