إيران؛ حضارةٌ عقلها قوتها
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كثيرون هم الذين يرون أميركا إلهاً يجب طاعته والخضوع له، ولذلك كلما تنحنح مجنون البيت الأبيض ارتعدت فرائصهم، وكادت قلوبهم تخرج من أفواههم، لاسيما في عالمنا العربي؛ المجبول على الذلة والتبعية، والمسكون بالفراغ المعنوي، والمصاب بعقدة النقص، والذي لا يرى لنفسه قيمة إلا بقدر ارتباطه بالقوى الكبرى، وتجنده تحت لواء الاستكبار الأمريكي، وهذا واضح في محميات وممالك البترودولار.
وعليه؛ فلا تستغرب إذا ما سمعت معظم وسائل الإعلام، والكتاب والمحللين وهم يتحدثون عن سقوط الجمهورية الإسلامية على يد ترامب، ويتسابقون على التنبؤ بساعة الصفر، كلما تحركت الولايات المتحدة بأساطيلها نحو الخليج الفارسي، لأنهم لا يدركون أن: صراع أميركا مع إيران هو صراع وجود، وأن الحرب قائمة بينهما منذ 47 عاماً، وهذا ما يجعل كل قراءات الخبراء والاستراتيجيين خاطئة للمشهد الراهن؛ فالحرب بين إيران والولايات المتحدة، غالبا ما يُتناول بوصفه احتمالا مستقبليا، أو سيناريو افتراضيا لم يقع بعد. غير أن هذه المقاربة تفشل في فهم جوهر العلاقة بين الطرفين. فبالنسبة إلى إيران، الصدام مع أميركا ليس فكرة طارئة، ولا حدثا ينتظر لحظة اندلاع، بل تجربة ممتدة عاشتها الدولة والنظام والمجتمع منذ عقود، بأشكال متعددة، وبمستويات مختلفة من الشدة.
نعم، فأمريكا هي العدو الأول لإيران، وما الكيان الصهيوني إلا غدة سرطانية تنشط لتنفيذ سياسات الشيطان الأكبر وهنا يتجلى الفرق الجوهري، وهو: أن إيران، بخلاف ما يعتقد كثيرون، لم تبن ذاكرتها الاستراتيجية على مواجهة إسرائيل، بل على مواجهة الولايات المتحدة. إسرائيل كانت دائما طرفا محدود الأدوات ومحدود الجغرافيا في الحسابات الكبرى، أما أميركا فكانت الخصم الذي صيغت على أساسه العقيدة العسكرية، والسياسية، والأمنية الإيرانية منذ ما بعد الثورة.
لهذا السبب فإن الحديث عن حرب محتملة مع أميركا لا يمكن اختزاله في تبادل صواريخ، أو ضربات جوية، أو هجمات بطائرات مسيرة؛ لأن الصدام مع أميركا ليس معركة سلاح فقط، بل معركة منظومات كاملة. منظومات تشمل الاقتصاد، والأمن، والمعلومات، والطاقة، والبحر، والزمن، والإرادة السياسية. وهو ما يجعل أي مقارنة بين نمط المواجهة مع إسرائيل ونمط المواجهة مع أميركا مقارنة مضللة من الأساس.
إيران حتى في المراحل التي لم تكن فيها في حالة اشتباك عسكري مباشر، كانت تعيش صراعا مفتوحا مع الولايات المتحدة. حصار اقتصادي، ضغوط سياسية، عمليات استخبارية، حرب معلومات، محاولات اختراق داخلي، وتهديد دائم باستخدام القوة. وهذه ليست مقدمات حرب، بل هي أشكال من الحرب نفسها، ولكن دون إعلان رسمي.
من هنا يمكن فهم لماذا لا تتعامل إيران مع التهديد الأميركي بوصفه مفاجأة. فالدولة التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الصراع مع قوة عظمى، لا تبني قراراتها على ردود فعل سريعة، ولا تنجر بسهولة إلى معركة بالشروط التي يحددها الخصم. في هذا السياق، تصبح الحرب حدثا يخضع للحساب البارد، لا للانفعال، وللمعادلة الطويلة، لا للضربة السريعة.
ولا يختلف عاقلان أن الدافع يلعب دورا لا يمكن تجاهله. فالمواجهة مع أميركا، في الوعي الاستراتيجي الإيراني، ليست مواجهة حدود أو نفوذ فقط، بل مواجهة تتصل بالسيادة، والاستقلال، وطبيعة النظام نفسه. وهذا النوع من الصراعات يولد استعدادا مختلفا، ونفسا أطول، وقدرة أعلى على تحمل الكلفة، مقارنة بصراعات ظرفية أو تكتيكية.
والخلاصة: إن الحضارة التي أنجبت كورش العظيم وداريوس الأول، وأنوشيروان العادل، وزرادشت، وسلمان الفارسي، والغزالي، وابن سينا، والرازي، والفردوسي، وآلاف الأعلام الذين صنعوا الفكر والعلم والسياسة والأدب؛ حضارةٌ لم تكن عابرة في التاريخ، بل كانت من أهم صُنّاعه، جذورها ضاربة في الزمن، وبصمتها حاضرة في وجدان الإنسانية. إيران؛ حضارةٌ بُنيت على العقل قبل القوة، وعلى المعرفة قبل الضجيج، لا تُسقطها تهديدات طارئة، ولا تُربكها أصوات عابرة، لأن من يمتلك عمق التاريخ لا يخشى صخب اللحظة.

أترك تعليقاً

التعليقات