عباءة الفرعون
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يقف المرء في حيرة من أمره كلما أراد كسر القيود، وتحطيم الأغلال، عاجزاً عن البدء بالخطوة الأولى في الانطلاق مع التاريخ، ليصل إلى مقام التشخيص لأمراض الحاضر، الذي ما هو إلا امتداد للماضي، كنسخة مكررة منه، وللأسف؛ لم تكن هذه النسخة المقيتة مقتصرةً على الماضي الإسلامي، وإنما امتدت 
لتشمل تاريخ الصراع الأزلـــي كلـــــه بين الحق والباطل؛ (آدم) و(إبليـــس)، (قــــابيل) و(هابيل)، (إبراهيم) و(نمرود)، (موسى) و(فرعون)، (محمد) و(الثالوث) الجامع لفرعون وقارون والملأ.
نعم كان لرسالة المحمدية أثرها العظيم، في ما أحدثته من تغيير في النفس والواقع، وبنته من شخصيات، ورسخته من قيم ومبادئ؛ ولكن سرعان ما انقلب المنقلبون على الأعقاب بعد التحاق صاحب الرسالة بالرفيق الأعلى، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة لا تزال تطبع كل المراحل حتى اليوم بطابعها، وهي: مرحلة إقامة المجتمع من جزأين لا ثالث لهما؛ هما: (مستكبرون) (ومستضعفون).
قد يقول قائل: إذا كان الأمر بهذه الصورة السوداوية كما تشير: فأين نضع تلك النماذج التي حملت الرسالة المحمدية في العمق والامتداد، واختطت بدمها أبجدية البقاء للإسلام الأصيل؟
والجواب: لقد لاقى ويلاقي كل علوي النهج والمسلك، حسيني الثورة والثبات، ما لاقاه موسى من (بني إسرائيل)، وما إن يفتح الدم المبذول على طريق "ذات الشوكة" الباب لتدفق الفجر، حتى يتم إغلاقه مجدداً على أيدي الأتباع الذين لم يكونوا كأبي ذر بصدقيته، ولا كعمار بثباته، ولا كمالك بولائه وإخلاصه لإمامه، ولا كالحر الرياحي بسلامة نفسه، وسموه الروحي، ورفضه المطلق للعبودية لغير الله.
وهنا، يتضح المشهد؛ فكل ثورةٍ كانت حسينية الدم والرسالة؛ لن تثور على طاغية إلا ووقعت في شرك طاغية جديد، طاغيةٌ يصنعه الأتباع المفطورون على الذلة، القابلون للتطويع، المكتفون بالشعارات، المسلمون عقولهم للسلطان، الخالعون على كل ذي إمرة عباءة الفرعون. لذلك؛ لا غرابة أنْ يصير شعار كل ذي منصب في ظل هكذا أتباع: "أنا ربكم الأعلى".

أترك تعليقاً

التعليقات