البناء الذي أقامه خامنئي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ليست الثورة حدثاً مرحلياً، بل حدث دائم؛ يطل كل لحظة، ليهب الوجود قوةً في الإرادة، وسعة أفق في التفكير.
هكذا هي الثورة الإيرانية: الحضور الفاعل للقيادة، والارتباط الوثيق بالناس والميدان. تلك هي فلسفة السيد الشهيد خامنئي، التي بنت إيران الدولة والمجتمع.
لفهم خامنئي، لا يجب أن ننظر إليه كسياسي عادي فحسب، بل يجب أن نحلله كمهندس لبناء منظومة متكاملة. شخص كان يعلم منذ البداية ما الذي يبنيه، وما هي القوة التي تهدد بلده، ويجب فعل كل ما يلزم لصدها، وما هي التكاليف التي سيتعين عليه دفعها لبناء إيران التي كان يتصورها.
كان اختلافه الرئيسي عن كثيرين ممن رأوا في الثورة منصةً للاستهلاك أو السلطة أو الربح، يكمن في رؤيته المُهيكلة للمستقبل. لم ينظر إلى الثورة كمجرد حدث سياسي، بل كمشروع حضاري طويل الأمد. فمن الكتب والتعليم إلى التنظيم، ومن تدريب القوات إلى تصميم الهيكل، ومن هندسة السرد إلى الحفاظ على التماسك في خضم الحرب الأمنية والضغوط الداخلية والتهديدات الخارجية والتآكل التاريخي، سعى خامنئي إلى بناء نظام لا يعتمد فقط على الحماس الثوري، بل يمتلك القدرة على البقاء والنمو والمقاومة.
من وجهة نظر الباحثين السياسيين: لم تقتصر مهمته على إدارة الحكومة فحسب، بل شملت الحفاظ على النظام، والسيطرة على نقاط الضعف ومعلجتها، ومنع التغلغل غير المباشر والمباشر للفساد والمحسوبية، وتكوين طبقات موالية، وتصميم نوع من التنسيق السياسي الذي يُبقي العناصر المتفرقة في اتجاه واحد. من منظور تاريخي، واجه بلداً أنهكه الغزو الأجنبي لقرون، وضعف الحكام، وخيانة النخبة، وانبهار شريحة من المجتمع بالقوى الخارجية. من منظور أيديولوجي وديني، لم تكن اهتماماته متجهة نحو السلطة فحسب، بل بناء إرادة لا تتزعزع أمام جاذبية الغرب الظاهرة.
استلهم خامنئي مفهوم الثورة من الخميني، لكنه طوره ليصبح مشروعًا طويل الأمد يشمل الحكم والأمن والثقافة والحضارة. أمضى حياته السياسية في بناء صورةٍ متكاملة لإيران كدولة ذات شأن، تعيش حقيقة الاستقلال، ذلك لأنه لم يكن مجرد ذات تسعى للسيطرة والسلطة، والبقاء على الكرسي على حساب الشعب، ولا هم له سوى المزيد من تحقيق متطلبات الراحة والشهرة المؤقتة والخضوع للنظام العالمي المهيمن. وسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فقد كان خامنئي أكثر من مجرد سياسي، كان مهندس نظامٍ؛ نظامٌ كانت مهمته الأساسية الحفاظ على الأرض، وتثقيف جيل المستقبل، ووضع المقومات التي يجب توفرها لبناء أمةٍ من الإيرانيين، بعد قرونٍ من الإذلال والتعدي، يعيدون تعريف أنفسهم كقوةٍ تاريخية.
ربما لم تتح له الفرصة في هذه الحياة لتذوق ثمرة الشجرة التي زرعها، لكن اسمه لا يزال حاضراً في قلب المشروع الذي أمضى حياته السياسية في بنائه.

أترك تعليقاً

التعليقات