كيف تكون قاتلاً للحسين؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
وأنت تقلب صفحات التاريخ، وترتحل من عصرٍ إلى عصر، تقف بك الرحلة في سنة 61هـ وقد جمعت لك في قضية واحدة، ومساحة جغرافية صغيرة، ومعسكرين مختلفين، بقيادة رجلين متضادين؛ أحدهما: يمثل امتداداً لخط الرسل والأنبياء؛ لا غاية له سوى إقامة الحق، ومحو الباطل، وهو: الإمام الحسين (ع) الذي حفظ بدمه أركان هذا الدين، وأكد بموقفه ماذا تعني الحرية للإنسان عموماً، وكيف يجب أن تترجم على أرض الواقع. والآخر؛ يزيد: امتداد الشر والفساد، ووارث قابيل، نفخةٌ من أنفاس إبليس، وتركيبةٌ تنازعت تشكيلها عناصر من ذوات شتى؛ من فرعون فالسامري فقارون، إلى بيئة الأعراب ذات العقيدة الشركية المعروفة بـ»عبادة الثالوث» الأمر الذي يجعلك واثقاً من أنك لو انطلقت من ثورة الحسين بوعي؛ لاستطعت التشخيص لعلل حاضرك، والتوصل لعلاجها، ولامتلكت القدرة على معرفة أولئك القتلة؛ الذين يقتلون آمالك، ويقضون على أحلامك، الذين يهدون كل بنيان للحق، وينسفون كل مشروع تحلق حوله المستضعفون والمحرومون والمعذبون المسلوبون حتى طاقاتهم من جذوره.
نعم، فكربلاء نقطةُ التقاء الإنسان كله، وعاشوراء؛ الحاكم على حركة الزمن كله، والحسين الحاضر في كل مرحلة وعصر كشاهد في محكمة التاريخ على الأولين والآخرين.
من هنا تدرك: أن يزيدَ ليس مجرد حاكم منحرف ظالم مستبيح للحرمات قاتل للنفس المحرمة جاء في مرحلة ما من التاريخ ثم هلك فانتهى كل شيء؛ وإنما هو ظاهرةٌ متوارثة، قد تزيد وقد تنقص من فترة لأخرى، والأهم: أن المجتمع هو وحده القادر على محوها أو استعادتها؛ بمعنى أوضح: كل مجتمعٍ لديه خياران؛ فإما أن يعيش الحسين كمعنى؛ فتكون حياته وحركته وأفكاره حسينية، الأمر الذي سيقتلع يزيد من جذوره وهو لا يزال نبتة بين الجوانح وقبل أن يستشري إلى الواقع الخارجي؛ وإما أن يصنع يزيده بيديه، بعد أن يقتل الحسين كمعنى في النفوس والواقع. فيا ترى كيف يصبح الواحد منا من ضمن قتلة الحسين؛ مع أن هناك قرابة خمسة عشر قرناً تفصله عنهم؟
والجواب: إنك متى ما أصبحت تعذر الظالم، وتتقبل ظلمه للناس؛ وتبرر له أفعاله؛ بإلباسها لبوس الحق والعدل؛ وتعاقب المظلوم، وتغتاله معنوياً بتصويره في عيون الناس على أنه مجرد: خائن، عميل، مرجف، بوق فتنة، صاحب مشروع هدام؛ يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار، وبث الفرقة وإثارة النعرات بين الناس، فقد قتلت الحسين.
وحين تنفر من كل مَن يقول كلمة حق؛ في وجه كل ذي سلطان؛ يتعامل مع الناس بالإثم والعدوان؛ فيوماً يأخذ حق هذا، ويوماً يسجن ذاك، وآخر ينكل بأولئك؛ فأراد هذا أن يغير عليه بقول كلمة الحق؛ فقد قتلت الحسين؛ وساويت يزيد ورهطه في الفعل والعاقبة.
وأخيراً؛ حين تبرر لكل ذي جاه ومنصب فعاله المشينة، وتنصب نفسك مدافعاً عن سياسة وقرارات ومواقف أحدهم؛ مخافةً على نفسك، أو طمعاً بما لديه، ورغبةً بنيل الحظوة عنده والقرب منه، ولم تعد تكترث بمدى ابتعاده عن الحق، ومدى التصاقه وذوبانه في الباطل، فهمك هو الشخص لا شيء آخر؛ فأنت قاتلٌ للحسين.

أترك تعليقاً

التعليقات