الرحمة والعدل: دستور رسالة الرحمن
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كلهم بدوا زروعاً في بساتينِ الربيعِ المحمديِّ؛ خُضرةً نضرةً على ضفافِ الوحي. ولكن أيّهم أثمر؟
كلهم هتفوا «لبّيك رسولَ الله» بأصواتٍ تتزاحمُ في الآفاق. ولكن كم عددَ الفاعلينَ بموجباتِ تلك التلبية؟
كم من لسانٍ قالها، ويدٍ نقضتها؟
كم من صدرٍ ضمّها، وقلبٍ باعها في سوقِ المصالح؟
الظلمُ اليومَ ناشبٌ مخالبهُ وأنيابهُ في جسدِ كل «بلالٍ» يُجلدُ باسمِ القانون.
وفي جسدِ كل «عمّارٍ» يُفتنُ باسمِ المصلحة.
وفي جسدِ كل «سُميّةٍ» تُطعنُ باسمِ الحفاظِ على النظام.
وصوتُ المناراتِ ما يزالُ يصدحُ: «أشهدُ أنّ محمداً رسولُ الله».
فكم من بُعدٍ بين الشاهدِ والمشهود؟
كم من مسافةٍ بين الكلمةِ التي تُرفعُ إلى السماءِ، والفعلِ الذي يُداسُ في الطين؟
على عتباتِك سيّدي نثرتُ كنانةَ أحزاني، وفتحتُ مجاهيلَ متاعبي.
جئتُك لا لأشكو جوعي، بل لأبثّكَ لواعجَ قلوبِ المستضعفينَ الذين لا يملكونَ عتبةً يطرقونها غيرَ عتبتِك.
فقد سامَهم التجارُ سوءَ العذابِ باسمِ السوق؛ حتى غدوا مجرد سلعة تباع وتشترى. وسامَهم السادةُ والكبراءُ سوءَ العذابِ باسمِ الهيبةِ والحفاظ على المقامات. وسامَهم الكُتّابُ والفقهاءُ سوءَ العذابِ باسمِ الفتوى والشريعة والكفر والإيمان.
لا شيءَ هناكَ سوى القهرِ المُقنّعِ بعمامةٍ، والمُسوَّغِ بآيةٍ تُقتطعُ من سياقِها.
لا عدلَ يُقاسُ بهِ الناسُ.
ولا رحمةَ تُوزّنُ بها القلوبُ.
فسيوفُ اللهِ المسلولةُ في أيديهم قطّعت وريدَ الدينِ وشريانهُ، ثم غمست أقلامها في ذلك الدمِ، فصارَ حبراً تُدوَّنُ بهِ في القصورِ مراسيمُ ابنِ هندٍ الأربعة: مرسومُ الإقصاءِ، ومرسومُ التجويعِ، ومرسومُ التجهيلِ، ومرسومُ التقديسِ للكرسي.
الأخلاقُ التي جئتَ لتتممَها ماتت مخنوقةً في زنزانةِ التوحّشِ.
ذبحوها في مذبحِ «الضرورةِ» و«الواقعيةِ» و«السياسةِ الشرعية».
ما بنيتَهُ من مكارمَ هدمناهُ لبنةً لبنةً، وسمّينا الهدمَ تجديداً، وسمّينا الخرابَ عمراناً، وسمّينا الصمتَ حكمةً.
يا رسولَ الرحمةِ، أيُّ رحمةٍ هذهِ التي تُباعُ في الأسواقِ بثمنِ بخسٍ؟ وأيُّ عدلٍ هذا الذي يُكتبُ في الدساتيرِ ويُمحى على أبوابِ المحاكمِ؟
جئتَ لتكونَ رحمةً للعالمينَ، فجعلناكَ رحمةً لفئةٍ، وسيفاً على فئةٍ.
جئتَ بالميزانِ، فكسرناهُ ووضعنا مكانَهُ كفّةً واحدةً تثقلُ كلّما اقتربت من القصرِ.
إنّ الدينَ عندنا اليومَ ليس سلوكاً، بل شعار.
وليس معاملةً، بل مظاهرة.
وليس قلباً، بل جدار نُعلّقُ عليهِ صورنا ونحنُ نبتسمُ للكاميرا.
فعُدْ إلينا سيّدي. لا بعصا، ولا بسيفٍ. عُدْ بسؤالٍ واحدٍ تضعهُ في ضمائرِنا: هل كنتُم رحماءَ بينكم؟ هل أقمتم القسطَ ولو على أنفسِكم؟
فإن كانت الإجابةُ «نعم» فذلكم هو الربيعُ المحمديُّ قد أثمرَ.
وإن كانت «لا» فكلُّ هتافاتِنا كانت سراباً، وكلُّ زروعِنا كانت حشائشَ في صحراء.
اللهم إنّا نبرأُ إليك من دينٍ بلا رحمةٍ، ومن عدلٍ في القولِ وظلمٍ بالممارسة، ومن عبادةٍ بلا قلبٍ، ومن رسالةٍ صارت في أيدينا دستورَ حارةٍ من حاراتِ اللصوص.

أترك تعليقاً

التعليقات