الحقوقُ أولاً وأخيراً
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كثيرون همُ المتحدثون عن القيمِ الأخلاقيةِ، لكنهم كلما ذاعَ صيتُهم، وتعاظمَ نُفوذُهم ودورُهم؛ تراجعت الأخلاق، وازداد الناس نفوراً من كل ما له صلة بالقيم والعقيدة. الأمر الذي يقول بوضوح: إنه لا عمرانَ ولا نموذجَ حضاريا ولا مدينةَ فاضلةً تقومُ في موطنٍ من المواطنِ أو حيّزٍ من أحيازِ الجغرافيا، إلا إذا انبنتْ على قاعدةٍ صلبةٍ من الحقوقِ المضمونةِ المؤداةِ كاملةً غيرَ منقوصةٍ ولا ممطولةٍ ولا ممنونة.
ولا نهضةَ راسخةَ الأركانِ تامةَ البنيانِ تنهضُ بدولةٍ أو أمةٍ، إلا إذا سلَّمنا تسليماً يقينياً أن الحقوقَ هي جذرُ التغييرِ وأصلُ البناءِ ومنبعُ النهضةِ ومفتاحُها. بعبارةٍ أخرى: إن علينا أن نتعاملَ مع منظومةِ الحقوقِ لا كترفٍ قانونيٍ أو زخرفٍ دستوري، بل كرادعٍ ضميريٍ معياريٍ، وكمدخلٍ وجوديٍ أنطولوجيٍ للتغييرِ والتمكينِ القيمي.
وهنا سيُقالُ لي: وأينَ ذهبتَ بالأخلاق؟ وما هذهِ الجرأةُ والوقاحةُ التي تجعلكَ تقدِّمُ الحقَّ على الخلق؟
وهو اعتراضٌ وجيهٌ في ظاهرِه، لكنه يغفلُ عن عمقِ المسألةِ وباطنِها.
لا مراءَ في أن للأخلاقِ دوراً نوعياً ومفصلياً ومركزياً في صياغةِ شخصيةِ الإنسانِ المتوازنِ العادلِ في سلوكهِ وتصرفاتهِ مع ذاتهِ ومع محيطهِ الذاتيِ والموضوعي. وقد بوَّأَ الإسلامُ الأخلاقَ مكانةً ساميةً سامقةً، بل جعلها لبَّ منظومتهِ التشريعيةِ والعقيديةِ وروحَها الساريَ في أوصالها، وربطها بالإيمانِ ربطَ الروحِ بالجسدِ والضوءِ بالنهارِ، مطالباً بالعملِ بمقتضاها، حتى جعلَ حُسنَ الخلقِ آيةَ الإيمانِ وعلامتَه.
وقد تظافرتْ على هذهِ المكانةِ نصوصُ الوحيِ تترى كالغيثِ، يقولُ الحقُّ تباركَ وتعالى: @831;قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا@830; ويقول: @831;قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى@830; ويقولُ مخاطباً نبيَّه: @831;وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ@830; ويقول: @831;فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ@830; ويقول: @831;لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ@830; ويقول: @831;هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ@830;. وقولُ الرسولِ الأكرمِ صلى الله عليه وآله: «إنما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاق». وقولُ سيدِ البلغاءِ أميرِ المؤمنين عليٍ عليه السلام: «لا تُخلِّقوا أولادَكم بأخلاقِكم فإنهم خُلقوا لزمانٍ غيرِ زمانِكم».
لكنَّ هذا التركيزَ الرحمني المحمديَ العلويَ على أهمية بناءِ الإنسانِ أخلاقياً، واعتبارَها جوهرَ الدينِ وعلامةَ الإيمانِ، لا يعني البتةَ إهمالَ منظومةِ الحقوقِ ولا تأخيرَها، بل إن العلاقةَ بينهما علاقةُ تكاملٍ بنيويٍ وتلازمٍ وجوديٍ لا انفصامَ فيه. فإنهُ متى ما تراجعتْ منظومةُ الحقوقِ وتآكلتْ، تراجعتْ معها وتآكلتْ بالضرورةِ منظومتا العقائدِ والأخلاق. وهنا يتمثلُ التخلفُ الحضاريُ بأعلى مقاييسهِ وأقصى دركاته.
لقد خلقَ اللهُ الإنسانَ وكرَّمَهُ بالعقلِ جوهرةً وتاجاً، وبسطَ لهُ موائدَ العيشِ ومهَّدَ لهُ مسالكِ الحياةِ، تهيئةً لإقامةِ مجتمعاتِ الحقِ والعدلِ والحريةِ والكرامة. لكنَّ هذا الإنسانَ في لحظةِ غفلتهِ الكبرى وسكرتهِ الأولى، طغتْ عليه مصالحُه وأنانياتُه، واستغرقَ في خصوصياتهِ وجزئياتهِ ونزعاتهِ الدنيا، فتضخمتْ ذاتُه وتورمتْ وتجبرَ في سلوكهِ وعلاقاته، واعتبرَ نفسَه محورَ الوجودِ ومركزه. @831;نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ@830;، فأنساهُ اللهُ معنى الوجودِ وقيمةَ الحياةِ وغايةَ الخلق.
وكانَ من المحتمِ والبديهيِ أن يُفضيَ هذا المناخُ الموبوءُ بتناقضِ المصالحِ وهيمنةِ الأهواءِ، وشيوعِ الحرمانِ والتجبرِ والظلمِ والتفاوتِ والتمييزِ والإفسادِ، إلى اشتعالِ بؤرِ الصراعاتِ وتفجرِ براكينِ العنفِ في المجتمعاتِ البشرية. نعم، إنهُ الظلمُ والكبرُ والهوى، وانتشارُ المظالمِ وتضييعُ الحقوقِ في كثيرٍ من أممِ العالمِ وحضاراتهِ، رغمَ تتابعِ الرسالاتِ وتوالي الرسل.
وفي مواجهةِ هذا الواقعِ المظلم، بقيتِ القيمُ الدينيةُ المعياريةُ هدفاً أسمى ونجماً هادياً للمسيرةِ البشريةِ رغمَ ما خالطها من شوائبِ التأويلِ وما اعترى تطبيقاتها من ثغراتٍ وأمراضٍ وتعقيدات. حيثُ كانَ يُدعى لها في كل مكان، ومن خلال كل المنابرِ الفكريةِ وغيرِ الفكرية. بينما بقيتِ الحقوقُ -بالمعنى السلوكيِ الإجرائيِ الميداني- شبهَ معدومةٍ ومُغيبةٍ في كثيرٍ من حضاراتِ العالمِ ومجتمعاته، فالجميعُ سيحدثك عن الأخلاق؛ لكنهم قطعاً سيعمدون إلى سلبك كل ما هو لك من حقوق.

أترك تعليقاً

التعليقات