ستبقى دونه صفراً
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ثمةَ تساؤلاتٌ كثيرةٌ تلحُّ عليك بين الفينة والأخرى. وبرغم كثرة زيارتها لك؛ فإنها تبقى دون جواب.
قد تجيبُ عليها في كثير من الأحيان بلغة «منظورة»: دمعة، حسرة، تنهيدة تُهشم الضلوع... لكن لا أجابة بلغة «مسطورة»؛ لماذا؟
لأن الوجع الذي تكشفه هذه التساؤلات أكبر بكثير من كل لسان بياني! لا تندهش؛ فقط سل نفسك:
لماذا فلان من الناس في دولة ما، ليس له سوى القيد والكرباج، فقط لأنه ابن منطقة ما، ومن طبقة ما، ولا يهم بعد ذلك إذا. ما كان خائناً أو وطنياً، ناصحاً أو فاضحاً؟!
لماذا فلان من الناس يبقى مثالاً للطهارة والشرف والكرامة، مهما اتسعت نطاقات خسته وتكشفت وضاعته وتأكد انحطاطه؟! لماذا يُعامل معاملة الوطني وإن خان والمواطن الصالح، مهما كان فاسداً؟!
لماذا يفشل الأكْفَاء وينجح الفاشلون والمتوسطون؟!
كلنا نعرف تلك المفارقة المزعجة: موظف فاشل وليس متوسط الكفاءة يترقى بسرعة، بينما زميله الأكثر موهبة يبقى في مكانه! طالب مجتهد لا يجد مقعداً، وطالب أقل اجتهاداً يجد مقاعد كثيرة! شاب موهوب يطرق كل الأبواب ولا تفتح، وشاب آخر لا يملك موهبة ولا فكراً ولا علماً تُفتح له الأبواب قبل أن يطرقه!...
قد يتبادر إلى ذهنيتنا جميعاً ذلك التفسير السائد، وهو «الواسطة» أو «الحظ». وهذه تفسيرات كسولة.
إن التفسير الأكثر قسوة ودقة يقول: هناك رأسمال لا نراه، يعمل قبل أن يبدأ العمل، ويقرر النتيجة قبل أن تبدأ المنافسة. نسميه رأسمال العبور.
إذا كان رأس المال عند ماركس يشتري وسائل الإنتاج، ورأس المال الثقافي عند بورديو يشتري الذوق والتمييز، فإن رأسمال العبور يشتري شيئاً واحداً فقط: حق أن تبدأ، أن تعيش، أن تعطى حقك كمواطن.
ما هو رأسمال العبور؟
التعريف الإجرائي:
رأسمال العبور هو كل مورد غير منصوص عليه في القانون أو في شروط المنافسة المعلنة، لكنه ضروري فعلياً لعبور العتبة التي تفصل بين الوجود والاعتراف به.
هو ليس ما يجعلك تفوز، بل ما يجعلك مقبولاً لتدخل حلبة الفوز.
ويمتاز بسمات وخصائص، أبرزها:
1. أنه قبلي، أي: يعمل قبل الكفاءة. لا يهم كم أنت ماهر إذا لم تعبر. كفاءتك لا تحتسب وهي في منطقة ما قبل الصفر.
2. أنه ضمني: لا يطلب منك في الإعلان. لا يوجد إعلان وظيفة يقول: «يشترط أن تكون من عائلة معروفة» أو «يشترط أن تتحدث بلهجة العاصمة بلا لكنة»... لكنه يمارَس في المقابلة، في الانطباع الأول، في كلمة «لم نرتح له».
3. أنه موروث أكثر منه مكتسباً: يمكنك أن تكتسب مهارة بالدراسة، لكن من الصعب أن تكتسب لهجة، أو عنوان سكن راقٍ، أو شبكة أقارب، أو ثقة بالنفس زرعت فيك منذ الطفولة لأنك لم تتعرض للإهانة الطبقية. رأسمال العبور يورث.
والحقيقةُ: هذا هو الصك الذي بموجبه يمنحونك حق الوجود والحياة والمواطنة. هو الهوية والتأشيرة والقيمة. ومَن لا يملكه سيبقى صفراً.

أترك تعليقاً

التعليقات