أفول
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
قامت الولايات المتحدة الأمريكية إمبراطورية عالمية، على أنقاض “إمبراطورية بريطانيا العظمى”، والأخيرة كان أفول شمسها التي “لا تغيب عن أراضيها” الخاضعة لاحتلال جنودها حول العالم، من اليمن وتحديدا بإجلائها من عدن وجنوب اليمن، مثلما كان مشرقها باحتلال عدن وجنوب اليمن.
لم يكن من السهل تخيل إمكانية كسر الترسانة العسكرية البريطانية الأكبر والأوسع انتشارا في العالم، قبل 60 عاما، ولا كان من السهل توقع قهر إمبراطورية عظمى بحجم إمبراطورية بريطانيا الثانية، التي هيمنت على بحار العالم ومضائقها.. شرايين حياة وتنقل البشرية على كوكب الأرض...
كانت بريطانيا، كما حليفتها الأبرز اليوم الولايات المتحدة الأمريكية إمبراطورية رأسمالية، إمبريالية، تعتمد في ثرائها ونمائها، على ثروات الشعوب، والاستيلاء على مواطن الثروات الطبيعية والأسواق العالمية، دون مقابل، وفي أحسن الأحوال بأبخس الأثمان كما تفعل الولايات المتحدة اليوم.
التطابق بين الإمبراطوريتين، يتجاوز المنهج المادي الرأسمالي الاستغلالي، والمذهب السياسي الليبرالي الانتهازي، والمسلك العسكري الاحتلالي الإمبريالي، والسلوك الاستعلائي الاستكباري، والوسيلة الإعلامية الدعائية، والغاية التسلطية الاستبدادية، والنزعة الاستحواذية والنزغة الشيطانية لحكم العالم.
يظهر أبرز أوجه التطابق في الارتكاز على أداة النفوذ الأقوى ووسيلة الهيمنة الأمضى: نشر القواعد العسكرية في مختلف أنحاء وأمصار العالم. هناك اليوم 900 قاعدة عسكرية أمريكية في 72 دولة حول العالم، وكذلك كانت بريطانيا، مع فارق استبدال أمريكا الحكم المباشر بحكام محليين تابعين.
فقدت إمبراطورية بريطانيا، عقب الحرب العالمية الثانية وخسائرها وديونها الكبرى تباعا، قواعدها العسكرية الجوية والبحرية، في شرق آسيا وجنوب غربها، وفي شرق إفريقيا وشمالها. لكن الأهم لها، ظل حلقة الوصل بين القارات الثلاث، آخر أهم خطوط الإمبراطورية الملاحية، وبمثابة قلب الإمبراطورية.
كان هذا الخط.. الوريد.. هو خط الملاحة الرابط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، عبر بوابة خليج عدن ومضيق باب المندب. استبسلت بريطانيا في إبقاء سيطرتها على هذه البوابة، وتحالفت مع أمريكا وفرنسا والكيان الإسرائيلي لإجهاض ثورة اليمن واستخدمت كل قوتها لقمعها، لكنها فشلت.
أنشأت بريطانيا وأمريكا وفرنسا والكيان الإسرائيلي جهاز استخبارات عسكرية مشتركا في اليمن، مهمته إجهاض الثورة في شمال اليمن، واستنزاف قوات مصر جمال عبدالناصر هناك، ومنع امتداد الثورة إلى جنوب اليمن. لكن خابت مساعي هذا التحالف، وتحطمت آمال الإمبراطورية البريطانية.
سعت بريطانيا طوال خمس سنوات تلت اندلاع الثورة في اليمن، إلى منع اتحاد شمال اليمن وجنوبه، وأمام صمود وبسالة الكفاح المسلح في جنوب البلاد، استخدمت لندن كل وسائل الإغواء والإغراء لإبقاء نفوذها في عدن واستمرار قاعدتيها البحرية والجوية، أو في جزر عبد الكوري، لكنها فشلت.
اليوم، تكرر وريثة بريطانيا، الإمبراطورية الأمريكية، السيناريو نفسه، بالذريعة نفسها: حماية الملاحة الدولية، وللهدف ذاته: احتلال باب المندب، وباستخدام المنهج عينه “فرق تسد”، والمسلك نفسه. ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، بل البشر من يكررون أحداثه، فإن اليمن يعد الإمبراطورية الأمريكية بالأفول.

أترك تعليقاً

التعليقات