إفاقة العزة
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
تتواصل في بلادي إفاقة شعبي من أكبر وأطول غيبوبة دخل فيها، حدا نسي من يكون، نسي ماذا كان وبماذا فضله الله على ما سواه وأي أسباب قوة وبأس وهبها له، ليستحق ريادة بني الإنسان وسيادة كل مكان لعصور مديدة موغلة القدم لا مجرد عقود من الزمان. كان هذا يوم كان الإقدام سمة يُعرف بها اليمنيون تتوج إيمانهم وامتلكوا معها زمام القيادة، بما تأتى لهم من مقومات بدءا من امتلاك الكفاية.
تمضي مسيرة إفاقة اليمنيين وعيا وقيما، إرادة وقرارا، إدارة ومسيرا في طلب أسباب استعادة العزة والكرامة، الحرية والسيادة، ومن ذلك. تحقيق الاكتفاء الذاتي من أسباب الحياة يتقدمها الغذاء بوصفه أهم مقومات تحرير الإرادة واستقلال القرار وتبعا الإدارة من مهانة التبعية وأغلالها وهوان الوصاية وسجنها، على درب بلوغ الرفاه والرخاء وتباعا النهضة والنماء.
أتابع بإكبار جهود شحذ همم اليمنيين التي لو دامت لكانوا أول من يطأ سطح القمر. شحذ عزائم اليمنيين التي قهرت عطشهم وافتقاد تضاريس جغرافيتهم الأنهار والبحيرات العذبة وتوكلهم على الله توكلا مؤمنا بعون الله ومشفوعا بسعي وعمل، وجد واجتهاد، جعلهم يبرعون في حصاد الغيث وهندسة الري، ويزرعون الصخر ويحيلون جبالهم الصماء، حقولا غناء، تنتج أطيب الثمر.
هناك اليوم إرادة جادة وجهود صادقة تبذل لاستعادة أمجاد اليمن بدءا بمجد تحقيق كفايته من الغذاء بالتوسع زراعيا، ضمن معركة استرداد حريته وانتزاع استقلال قراره عن أي وصاية أو هيمنة خارجية تريد له الضعف والوهن، وتحويل أهله من شعب الغلال إلى شعب السلال. سلال المهانة المسماة إغاثة، وغايتها ترويض الشعب على الارتهان أكثر للخارج وكسر إرادته وسلب حريته ومصادرة كرامته واغتصاب سيادته.
تلك غاية كبرى وهدف رئيس لهذه الحرب العدوانية الحاقدة والمجرمة وحصارها الجائر والمجاهر بغاية الإذلال. لكن مسيرة العزة وإنهاء الغيبوبة لا تكتفي بالمواجهة العسكرية لقوات تحالف العدوان والغزو والاحتلال، وتسير بكل جد واجتهاد في مختلف جبهات معركة التحرر وساحات المواجهة، وفي مقدمها الاكتفاء الذاتي من أسباب الحياة ومقومات الاستقلال.
معلوم يقينا أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، كما يقال، وأقرب شاهد وأجلى مثال ما نراه يتحقق في إحياء حرفة اليمنيين الأولى، وأهم مصادر القوة التي عرفوا بها قديما، وبلغوا معها مراتب متقدمة في التحضر والرقي، وتبعا الريادة والسيادة. أعني بالطبع تأمين قوتهم وتصدير فائض خيرات أرضهم «الطيبة» إلى عالم ظل يتوق إليها، ومازال يصنفها الأفضل جودة ومذاقا.
الخطوة الأولى اتخذت وتبعتها خطوات ونجاحات على درب تحقيق كفاية الشعب، حاجاته من الغذاء والدواء والكساء وباقي الأشياء، يعني تحقق حريته واستقلاله، في القرار والإدارة، وتبعا تحقق سيادة دولته، علاوة على تحقق رفاهه والتفرغ لنهضته في مختلف مناحي الحياة وتشييد حضارته. وهذا هدف كل الشعوب، يتطلب السير في تحقيقه استقراراً عاماً، فكيف الحال تحت حرب إقليمية ودولية.
المهمة شاقة وصعبة لكنها ليست أبداً مستحيلة، تظل اليمن «أرضاً طيبة» كما فطرها الله ووصفها، وسبق أن تجلى إنجاز المهمة واقعا ظل قائما حتى ستينيات القرن الماضي، والعمل على التوسع في الزراعة وإنتاج الحبوب في ظروف حرب وحصار، تحد إضافي جدير بأن يخوضه الآن اليمنيون متسلحين بإيمانهم وبأس همتهم، للانتصار في معركة البقاء أحرارا مستقلين غير خاضعين ولا تابعين، أعزة شامخين، غير مذلولين ولا مهانين.
هذا هدف رئيس يجمع اليمنيين، وهناك جهود حثيثة لتشجيع التوسع الزراعي وإنتاج محاصيل الحبوب ودعمها بإنتاج وتحسين وإكثار فصائل البذور اليمنية المهددة بالانقراض أمام استيراد بذور خارجية أقل جودة وثماراً، والسعي لإنتاج أسمدة محلياً، وإحياء جمعيات التعاونيات الزراعية، وعن دعم المزارعين بمنظومات الطاقة الشمسية وأنظمة الري الحديثة، وإقرار شراء الدولة المحاصيل بأسعار مدعومة وبيعها في أسواق مخصصة.
وهناك جائزة تشجيعية باسم الرئيس الشهيد صالح الصماد، وزعت بالأمس على أكثر المزارعين إنتاجا، جوائزها العينية (حراثات ومولدات آبار ارتواز وشبكات ري، ... الخ) للموسم الثاني 2019-2020م. وكل هذا مما يبعث على البهجة والسعادة، وقبل هذا الأمل في غد أفضل، نأكل فيه مما نزرع ونلبس مما ننسج ونحيك ونصنع. وأيما إنجاز هذا، خصوصا وأن هناك عزيمة وهمة لا حد لهما لدى اليمنيين، تساندهما إرادة تزداد جدية وإصرارا لدى القيادة السياسية والحكومة والجهات ذات العلاقة، بوصفه هدفاً مصيرياً.
ومن جديد أرى أن تحقيق هذا الحلم سيكون أيسر وجدواه أعم إذا اتجه رأس المال الوطني لاستثمار الفرص الواعدة والامتيازات القائمة في قطاع الزراعة والإنتاج الحيواني والسمكي، وآخرها الإعفاءات الضريبية والجمركية لمدخلات ومخرجات هذا الاستثمار. وكذا اشتمال «خدمة العلم» لخريجي الثانوية العامة التي جرى مؤخرا استئنافها في قطاعي التعليم والدفاع؛ قطاعا ثالثا للخدمة الوطنية، هو قطاع الزراعة، استصلاحا وبذرا وغرسا وحرثا وريا وحصادا وتغليفا وتسويقا.

أترك تعليقاً

التعليقات