إشهار غزو
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
ليس مفاجئا أن تؤكد بريطانيا أخيرا، إدارتها المباشرة للحرب على اليمن، ولا أن تكشف علنا عن اطماعها في جنوب اليمن، فكل المعطيات تؤكد أن مقابل مغادرة لندن الاتحاد الأوروبي، استعادة ماضي النفوذ البحري حول العالم وإحياء لقب "ملكة المحيطات والبحار".
قامت إمبراطورية بريطانيا الثانية على احتلال أراضي الغير واستغلال مواقعها الجغرافية وثرواتها بنظام انتهازي غير مسبوق عالميا، تجمله باسم "إدارة الخدمات" أو "سمسرة الخدمات" في أهم موانئ العالم المطلة على أهم المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية.
وأفلت شمس الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عن أراضيها ما كان يعرف باسم "المستعمرات البريطانية" في العالم، بفقدان سيطرتها على هذه المضايق والممرات، بدءا من استقلال الهند 1947، مرورا بمصر وقناة السويس 1956، وصولا إلى عدن وجنوب اليمن 1967م.
كان بين هذه المضايق الأهم التي فقدتها الإمبراطورية البريطانية، استقلال كل من بورما وسريلانكا في 1948، ثم ماليزيا وسنغافورة، قبرص 1960، مالطا 1964م، وغيرها، غير أن السويس وعدن والهند، كانت تشكل أهم خطوط الملاحة الإمبراطورية.
فقدت بريطانيا بجلائها قسرا من عدن وجنوب اليمن، آخر خط ملاحي للإمبراطورية المتهالكة في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وبروز الولايات المتحدة الأمريكية، وريثا لها في النفوذ الغربي العالمي والتفوق العسكري والاقتصادي والصناعي.
تحولت بريطانيا من مركز القيادة والنفوذ في العالم إلى مجرد تابع للمركز الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أحسن الأحوال المستشار الخبير بمجتمعات مواطن الثروات والمضايق والممرات البحرية، بجانب الاحتفاظ بمزايا ومصالح استراتيجية في المنطقة.
المزايا التي ضمنتها الإمبراطورية العجوز في أيامها الأخيرة بمعاهدات حماية واستشارة (وصاية) مع الدويلات التي أنشأتها في المنطقة وبخاصة في المضايق البحرية، بما فيها الكيان المسخ الذي سمته «الجنوب العربي» وأجهضته ثورة 14 أكتوبر بانتزاع الاستقلال الكامل.
تحلم بريطانيا، اليوم، ببعث هذا الكيان المسخ من قبره، عبر فرض انفصال جنوب اليمن وتفعيل المعاهدة المهينة الموقعة مع «الجنوب العربي» والتي تعطي بريطانيا كامل الحق في أجواء وبحار وأراضي جنوب اليمن لحماية مصالح التاج البريطاني، كما نصت عليه حرفيا.
هذا الحلم، يفسر نبرة سفير بريطانيا السابق مايكل آرون، التي انفرد بها عن سفراء دول الوصاية العشر. ظلت تغريداته وتصريحاته تقدمه خصما صريحا وطرفا رئيسا في الحرب لا كما يزعم سفراء الوصاية أنهم «وسطاء سلام». وهي نبرة من يتعامل مع اليمن وجنوبه تحديدا بوصفه إرثا بريطانيا يجب أن يعود لسيادة لندن وحدها.
لبلوغ هذا الحلم، نشرت بريطانيا قوات لها في المهرة منذ ما لا يقل عن عام، وكان يمكن أن تنشر وحدات من قواتها المرابطة في سلطنة عُمان، لكنها تعمدت نشر قوات مستقلة في محافظة المهرة، ورأت في الهجوم على ناقلة النفط «الإسرائيلية» قبالة سواحل عُمان، الذريعة المناسبة، لإشهار غزوها، تماما كما فعلت مع عدن قبل 181 عاما.

أترك تعليقاً

التعليقات